من حصار باماكو إلى طرق أبواب غينيا.. «نصرة الإسلام والمسلمين» تصعّد هجماتها وتدفع حرب الساحل نحو دول غرب أفريقيا
تتزايد المؤشرات على اتساع رقعة العمليات التي تنفذها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في منطقة الساحل، وسط تحذيرات أمنية من اقتراب نشاطها من الحدود الغينية، بالتزامن مع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تفرضها على السلطة الحاكمة في مالي.
وكشف معهد الدراسات الأمنية الأفريقي «ISS»، في دراسة حديثة، أن الجماعة التي تنشط في منطقة الساحل والصحراء باتت تطرق أبواب غينيا، بعدما كثّفت تحركاتها وهجماتها في جنوب غربي مالي، ولا سيما في المناطق القريبة من الحدود المشتركة بين البلدين.
وبحسب الدراسة، يتنامى القلق من احتمال تمدد الجماعة إلى غينيا، المجاورة لمالي التي تواجه سلطتها العسكرية أزمة أمنية متفاقمة، وسط مخاوف من اتساع نفوذ الجماعات المسلحة ووصول الصراع إلى مرحلة تهدد مستقبل الحكم في البلاد.
هجمات تقترب من الحدود الغينية
شهدت المناطق المالية المحاذية لغينيا خلال العامين الماضيين تصاعدًا ملحوظًا في الهجمات، التي استهدفت حواجز للشرطة ومواقع أمنية ومنشآت تقع قرب مناطق تعدين تديرها شركات صينية.
وكان حاجز أمني في منطقة يانفوليلا، الواقعة جنوب غربي مالي وعلى مسافة نحو 50 كيلومترًا من الحدود الغينية، من بين المواقع التي تعرضت للهجوم. كما هاجمت الجماعة، في الرابع من يوليو/تموز، سجن كينييروبا.
وأفادت الدراسة بأن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين فرضت، منذ مطلع مايو/أيار، قيودًا متكررة على حركة القوافل في الطريق الرابط بين العاصمة باماكو ومدينة كوريمالي الواقعة على الحدود المالية–الغينية.
وأثارت سرعة تحرك الجماعة واقتراب عملياتها من الحدود قلقًا شديدًا لدى السلطات الغينية، ما دفع الرئيس مامادي دومبويا إلى إنشاء مركز يحمل اسم «قيادة العمليات الخاصة»، بهدف مواجهة احتمال انتقال نشاط الجماعات المسلحة إلى داخل البلاد.
غير أن معهد الدراسات الأمنية رأى أن هذه الإجراءات تركّز بصورة شبه كاملة على مواجهة الخطر الخارجي بالقوة، وتتجاهل مواطن الضعف الموجودة داخل غينيا، التي قد تستغلها الجماعة لبناء شبكات محلية وإنشاء موطئ قدم وقواعد دعم داخل البلاد.
وأشار المعهد إلى أن تنامي قدرات الجماعة، بالتزامن مع هشاشة بعض المناطق الغينية، يجعل احتمال استقرارها داخل غينيا وتأسيس شبكات تابعة لها أمرًا ممكنًا، حتى وإن لم تعلن حتى الآن تنفيذ عمليات عسكرية واسعة داخل الأراضي الغينية.
قطع الطرق وخنق باماكو
عدّت الدراسة الحصار المفروض على الطرق الحيوية من أبرز العوامل التي ساعدت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على توسيع نطاق عملياتها.
وفرضت الجماعة قيودًا على عدد من الطرق الرئيسية التي تربط مالي بالسنغال وساحل العاج، بالتزامن مع تشديد الضغط على خطوط الإمداد المؤدية إلى باماكو، ما وضع العاصمة المالية في حالة متزايدة من العزلة الاقتصادية والأمنية.
ونتيجة تعطل الطرق المتجهة نحو السنغال وساحل العاج، بدأت السلطة المالية البحث عن بدائل تعتمد بصورة أكبر على الطريق الرابط بين باماكو وغينيا. لكن معهد الدراسات الأمنية حذر من أن هذا التحول قد يدفع الجماعة بدورها إلى تكثيف عملياتها على محور باماكو–كوريمالي، بهدف قطع البديل الجديد ومحاصرة العاصمة من جهة أخرى.
وبذلك لم تعد الطرق مجرد مسارات للنقل التجاري، بل تحولت إلى إحدى أهم ساحات المواجهة؛ إذ تستخدم الجماعة الحواجز والكمائن والعبوات الناسفة لتعطيل حركة الإمدادات واستنزاف القوات الحكومية والضغط على اقتصاد البلاد.
إنذار يتجاوز غينيا إلى دول الساحل
لا يقتصر القلق من تمدد الجماعة على غينيا وحدها، بل يشمل دولًا أخرى تقع على تخوم منطقة الساحل وفي غرب أفريقيا.
وقال فريدريك أبياه أفرييه، مؤسس مركز الدراسات الأمنية والاستراتيجية الأفريقية في غانا، إن خطر توسع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين انتقل من مجرد احتمال نظري إلى تهديد عملي ووشيك.
وحذر من أن النشاط المتنامي قرب الحدود الشمالية لغانا يتجه ليصبح اختبارًا كبيرًا لقدرة الدولة ومؤسساتها على الصمود، مشيرًا إلى أن التجارب التي شهدتها دول الساحل تحمل دروسًا قاسية للدول الساحلية المجاورة.
كما قالت جيسيكا مودي، الباحثة المتخصصة في متابعة نشاط الجماعات المسلحة، إن التطورات التي شهدتها منطقة الساحل تمثل إنذارًا مهمًا للدول الواقعة على الساحل الغربي للقارة؛ نظرًا إلى قدرة التنظيمات المسلحة على استغلال الثغرات الأمنية والمظالم الاجتماعية والنزاعات المحلية لبناء نفوذها.
وتتعلق تصريحات أفرييه ومودي بصورة أساسية بالمخاطر التي تواجه غانا والدول الساحلية، لكنها تعكس اتساع دائرة القلق من انتقال الاضطرابات من قلب الساحل إلى دول غرب أفريقيا.
حصار الوقود يكشف حجم النفوذ
من جانبه، قال مركز صوفان، وهو مؤسسة بحثية أمنية مقرها نيويورك، إن حصار الوقود الذي تفرضه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين منذ قرابة عام يكشف حجم قدرتها على التأثير في حركة البلاد، بالتزامن مع نفوذها في مساحات واسعة واستمرار توسع عملياتها.
ووفقًا للتقييم، تواجه سلاسل الإمداد التابعة للسلطة العسكرية في مالي خطرًا حادًا ومباشرًا، في ظل اعتماد باماكو بصورة أساسية على الطرق البرية في الحصول على الوقود والمعدات والمؤن.
وتراجعت قدرة القوات الحكومية على نقل إمداداتها ومعداتها العسكرية نتيجة انتشار الحواجز والكمائن والعبوات الناسفة على الطرق المحيطة بالعاصمة.
وأجبرت هذه الضغوط السلطة المالية على اللجوء إلى خيارات أكثر كلفة، من بينها تسيير قوافل إمداد ضخمة ترافقها قوات مسلحة بصورة دائمة، لضمان وصول جزء من الوقود والمعدات إلى باماكو.
لكن هذه الإجراءات لم تنهِ المشكلة، بل زادت الأعباء المالية والأمنية، وأجبرت الحكومة على تخصيص قوات كبيرة لحماية الطرق بدلًا من استخدامها في مناطق المواجهة الأخرى.
الإمدادات الروسية تبحث عن طرق بديلة
عكست شحنة من المركبات العسكرية الروسية وصلت إلى باماكو، بعد تفريغها في أحد موانئ توغو ونقلها برًا إلى مالي، مدى تعقيد الوضع الأمني وصعوبة تأمين طرق الإمداد التقليدية.
كما توصل تحقيق أجرته مؤسسة «C4ADS» البحثية إلى أن روسيا تعتمد بصورة متزايدة على الطائرات وشبكات النقل الجوي مرتفعة التكلفة لإيصال المعدات والأفراد إلى منطقة الساحل، بعدما أصبحت أجزاء واسعة من الطرق البرية عرضة لهجمات الجماعات المسلحة.
ويشير الاعتماد المتزايد على النقل الجوي والقوافل البرية المحمية إلى أن دعم القوات المالية وحلفائها الروس بات أكثر كلفة وتعقيدًا، في وقت تواصل فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الضغط على خطوط النقل وإغلاق الممرات الحيوية.
تراجع شرعية الحكم العسكري
أشارت التقارير إلى أن قدرة السلطة العسكرية المالية على إقناع السكان بجدوى سياساتها ونموذجها السياسي آخذة في التراجع، ولا سيما بعدما تولى الجيش الحكم متعهدًا باستعادة الأمن وإنهاء نفوذ الجماعات المسلحة.
وفي المقابل، كثفت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نشاطها، مركزة على مهاجمة السلطة في باماكو والطعن في شرعيتها الدينية والسياسية، بالتزامن مع تقديم نظامها القائم على تطبيق الشريعة.
ويأتي هذا النشاط إلى جانب استراتيجية عسكرية واقتصادية تجمع بين الهجمات المنسقة، وقطع الطرق، ومحاصرة المدن، واستنزاف القوات الحكومية، وتوسيع النفوذ في المناطق التي تعاني ضعفًا في حضور مؤسسات الدولة.
هجوم 25 أبريل يكشف تحولًا عسكريًا
شكّل الهجوم الواسع الذي وقع في 25 أبريل/نيسان نقطة بارزة في مسار المواجهة، إذ أظهر، بحسب التقارير، أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين باتت تمتلك قدرة أكبر على التخطيط والتنظيم وتنفيذ هجمات متزامنة في عدة مناطق.
وتعزز هذا التقدير بعد سلسلة العمليات المنسقة التي أعقبت الهجوم، والتي استهدفت مواقع عسكرية وأمنية حساسة وأظهرت قدرة الجماعة على التحرك في جبهات متباعدة خلال وقت متقارب.
وذكرت مجلة «منتدى الدفاع الأفريقي» التي تصدر عن القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» أن الهجوم الذي قُتل خلاله وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، بعد استهداف مقر إقامته، عزز المخاوف من أن تصل الجماعة مستقبلًا إلى مرحلة تهدد فيها بقاء السلطة المالية نفسها.
وأشارت المجلة إلى أن الهجوم أجبر القوات الحكومية والعناصر الروسية المساندة لها على الانسحاب من مواقع في شمال البلاد، في واحدة من أكبر الضربات التي تعرض لها الحكم العسكري بقيادة عاصمي غويتا.
وقال ديفيد دوخان، المحلل الأمني في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب، إن حجم العملية كشف بصورة واضحة هشاشة السلطة العسكرية المالية، وأظهر اتساع الفجوة بين تعهداتها الأمنية وقدرتها الفعلية على السيطرة على البلاد.
كما رأت مجلة «منتدى الدفاع الأفريقي» أن التطورات الأخيرة منحت الجماعة فرصة لتوسيع عملياتها وترسيخ حضورها في مساحات أكبر، إلى جانب توسيع الخدمات والأنظمة المحلية التي تقدمها في المناطق الخاضعة لنفوذها، ضمن مساعيها لفرض نموذج حكم قائم على الشريعة الإسلامية.
ما بعد مالي.. إلى أين تتجه الجماعة؟
أبدى المحلل النيجيري لشؤون الأمن القومي فولان نصر الله قلقًا شديدًا من توسع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، مؤكدًا أن طموحاتها لا يُتوقع أن تتوقف عند حدود مالي.
وبحسب تقديره، فإن الجماعة ستتجه، بعد تثبيت نفوذها وتخفيف الضغط عنها داخل مالي، إلى توسيع عملياتها نحو دول أخرى في المنطقة، سعيًا إلى نقل مشروعها القائم على تطبيق الشريعة إلى نطاق جغرافي أوسع.
وتكشف مجمل هذه التطورات أن الخطر الذي يحيط بغينيا لم يعد منفصلًا عن الأزمة الكبرى التي تعيشها مالي. فكل طريق يُغلق أمام باماكو، وكل منطقة حدودية يضعف فيها حضور الدولة، يفتح أمام الجماعة مجالًا جديدًا للتحرك وبناء الشبكات.
وبين حصار العاصمة المالية، واستهداف طرق الإمداد، وارتفاع كلفة الدعم الروسي، واقتراب العمليات من الحدود الغينية، تبدو حرب الساحل مقبلة على مرحلة جديدة قد تتجاوز حدود مالي، وتضع غينيا ودول غرب أفريقيا الساحلية أمام اختبار أمني وسياسي بالغ الخطورة.