من مظلّة الحماية إلى حافة الانكشاف: واشنطن تقطع شريان لتحالف «أوصوم» وكامبالا تضع الحكومة الصومالية أمام أحد أخطر اختباراتها منذ 2010
تواجه الحكومة الصومالية، واحدة من أعقد وأشد المراحل التي مرت بها منذ عام 2010؛ حين بدأت حركة الشباب المجاهدين عملياتها العسكرية داخل العاصمة مقديشو، واقتربت من إسقاط الحكومة القائمة آنذاك.
وفي مطلع الشهر الجاري، أطلق المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة ما يشبه صفارة إنذار مدوّية داخل الأوساط الحكومية الصومالية، بعدما أخطر مجلس الأمن بأن واشنطن ستوقف جميع النفقات المخصصة لإمداد القوات الإفريقية الموجودة في الصومال ودعمها لوجستيًا.
وهزّ الإعلان الأمريكي الحكومة الصومالية من الداخل، لاعتمادها على القوات الأجنبية في حمايتها من هجمات حركة الشباب المجاهدين. أما المسؤولون الذين اعتادوا رفع أصواتهم كلما تناولت وسائل الإعلام ضعف إدارتهم وهشاشتها، فقد لزموا هذه المرة صمتًا مطبقًا، بعدما عجزوا عن تقديم إجابة إزاء خطورة المرحلة الراهنة.
ولم يعد التمويل متاحًا للقوات الإفريقية التي تتولى السيطرة الفعلية على المدن الكبرى في الصومال؛ وهو تطور تلقّته الدول التي أرسلت تلك القوات بمنتهى الجدية، لما يحمله من تهديد مباشر لاستمرار مهمتها.
ومن المقرر أن تستضيف العاصمة الأوغندية كامبالا، الخميس المقبل، اجتماعًا يضم قادة الدول المساهمة بقوات في بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال «أوصوم»، على أن يحددوا خلاله موقفهم من القرار الأمريكي والخطوات التي سيتخذونها حياله.
وسيحضر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، الاجتماع ممثلًا للسلطة الصومالية، وسيقف مجددًا أمام القوى الاستعمارية طالبًا إنقاذ إدارته، بعدما لم تعد حكومته تخفي عجزها عن الاستغناء عن القوات الإفريقية.
ووصف زكريا محمود حاجي عبدي، الذي سبق أن شغل منصبي نائب رئيس الوزراء وعضو البرلمان، اجتماع كامبالا بأنه دليل على أن الصومال لا يتمتع باستقلال حقيقي. وقال إن حسن شيخ محمود يعيد حكومته إلى سنواتها العصيبة، وإن الاجتماع الأوغندي سيسلط الضوء على الأخطار المتراكمة التي تحاصر الإدارات الصومالية.
ومن أبرز الملفات الموضوعة على طاولة القادة الأفارقة في كامبالا مقترح وقف أي دعم أمني جديد للسلطة الصومالية، إلى أن تقبل مطالب المعارضة وتتوصل معها إلى اتفاق سياسي.
ويحظى هذا التوجه بتأييد قوي من الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني. وتمتلك أوغندا أكبر عدد من الجنود المشاركين في التحالف الإفريقي، كما تربط موسيفيني علاقات وثيقة بقيادات تحالف «مجلس المستقبل» المعارض.
وكان موسيفيني قد ضغط على حسن شيخ محمود، في مايو/أيار الماضي، لحمله على المصالحة مع المعارضة، غير أن الأخير لم يستجب لمطالبه؛ ما تسبب في تدهور العلاقة بين الطرفين، وفقًا لما أوردته الصحافة الأوغندية.
وإذا فقدت القوات الإفريقية الإمدادات التي كانت تصلها من الدول الغربية، فإن الاحتمال الأكبر هو انسحابها من الصومال؛ إذ لن تستطيع مواصلة مهمتها طويلًا من دون رواتب أو دعم لوجستي، بحسب مستشار الأمن القومي الصومالي السابق.
وقال حسين شيخ علي: “إذا انعدمت الخدمات اللوجستية، فلن يبقى أي سبب يسمح لهذه القوات بمواصلة وجودها. فالقوات الإفريقية كانت أصلًا بلا رواتب، وإذا لم تتوفر لها الإمدادات التي تحتاج إليها للقتال أو الدفاع عن نفسها، فلن تستطيع البقاء”.
وتوجد القوات الإفريقية في الصومال منذ عام 2007، وقد ظلت تتلقى رواتبها من الدول الغربية مقابل القضاء على مقاتلي حركة الشباب المجاهدين. غير أن المستعمر الأبيض أدرك، بعد مرور 19 عامًا، أن تلك القوات لم تحقق الأهداف الكبرى التي مُوّلت من أجلها؛ ولذلك قرر إغلاق صنبور التمويل.
ويرى عبد الرحمن عينتي، وزير التخطيط والتعاون الدولي السابق، أن السلطة الصومالية ظلت طوال تاريخها ضعيفة ومهانة، ولا تمتلك مشروعًا أو طموحًا مستقلًا. واستشهد على ذلك باحتمال سيطرة حركة الشباب المجاهدين على البلاد إذا انسحبت القوات الأجنبية.
وتتجه الأنظار إلى الاجتماع المرتقب عقده في كامبالا يوم 30 من الشهر الجاري. ودعا عبد الرحمن عبد الشكور، عضو البرلمان وعضو مجلس المعارضة، القادة الأفارقة إلى فرض عقوبة سياسية على حسن شيخ محمود، وجعل استمرار قواتهم في الصومال مشروطًا بإبرامه اتفاقًا سياسيًا مع معارضيه.
أما حسين معلّم، الذي عمل مستشارًا أمنيًا لحسن شيخ محمود خلال السنوات الثلاث الماضية، فقال إن الاستغناء عن القوات الإفريقية لن يكون ممكنًا إلا بتوفير 1500 جندي من القوات الحكومية مقابل كل 500 جندي إفريقي يخلون مواقعهم؛ وهي معادلة وصفها بأنها مستحيلة وشديدة الصعوبة.
ويرى محللون أن النتائج التي ستصدر عن اجتماع كامبالا، مهما بلغت، لن تكون قادرة على حسم مستقبل السلطة الصومالية؛ فحتى إذا وافق القادة الأفارقة على إبقاء قواتهم في الصومال ضمن صيغة أخرى، فإن الدول الغربية لن تستطيع مواصلة تمويل هذه المرتزقة.