من هرمز إلى بربرة.. مركزان أمريكي وإثيوبي يدفعان نحو الاعتراف بصوماليلاند وسط سباق القواعد وطموح أديس أبابا البحري

تتقاطع دعوتان صدرتا عن مركزين أمريكي وإثيوبي عند هدف واحد: دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى الاعتراف بصوماليلاند دولة مستقلة، مقابل ما يمكن أن تتيحه بربرة لواشنطن من موطئ قدم عسكري على خليج عدن، وما قد يفتحه الاعتراف أمام إثيوبيا من مسارات تخدم طموحها المزمن للوصول إلى البحر.

فقد نشر مركز الأمن البحري الدولي الأمريكي «CIMSEC» مقالًا دعا فيه واشنطن إلى إعادة النظر في موقفها من صوماليلاند على ضوء الحرب مع إيران والتهديدات التي تواجه الملاحة بين مضيقي هرمز وباب المندب.

وجاء المقال بعد يوم من تقرير أصدره معهد Horn Review الإثيوبي، طالب فيه إدارة ترامب بالتخلي عن سياسة «الصومال الواحد»، وقدم ميناء بربرة ومطارها بوصفهما ورقتين استراتيجيتين يمكن للولايات المتحدة استثمارهما عسكريًا ولوجستيًا.

ويأتي تزامن الطرحين مع زيارة وفد تقوده إدارة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو» إلى واشنطن، حيث يُتوقع أن يجري سلسلة لقاءات تهدف إلى حشد التأييد السياسي للاعتراف، وعرض ما تستطيع بربرة تقديمه للولايات المتحدة من تسهيلات بحرية وجوية وعسكرية.

الحرب مع إيران تعيد رسم خريطة القواعد الأمريكية

انطلق مقال CIMSEC من أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أظهرت هشاشة القواعد العسكرية الأمريكية الكبيرة الواقعة بالقرب من الأراضي الإيرانية، ودفعت واشنطن إلى البحث عن نمط انتشار أقل تمركزًا وأكثر قدرة على تحمل الهجمات والاضطرابات الإقليمية.

ويرى المركز أن الولايات المتحدة تحتاج إلى توزيع قواتها ومعداتها على شبكة من القواعد والمنشآت الأصغر، وتعزيز علاقاتها مع شركاء قادرين على توفير مواقع ارتكاز مستقرة وبعيدة نسبيًا عن بؤر المواجهة المباشرة.

وفي هذا السياق، طرح المقال صوماليلاند، وبصفة خاصة مدينة بربرة، بوصفها موقعًا مناسبًا لإنشاء منشآت أمريكية تساعد على مراقبة خليج عدن وباب المندب وتأمين الملاحة في البحر الأحمر.

وبحسب هذا التصور، يمكن لميناء بربرة ومطارها أن يؤديا دورًا في استقبال السفن والطائرات العسكرية، وتوفير الإمدادات والدعم اللوجستي، ومساندة العمليات الأمريكية الممتدة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.

 

ممر واحد بين هرمز وباب المندب

ربط المركز الأمريكي بين مضيقي هرمز وباب المندب، معتبرًا أنهما نقطتان حاسمتان ضمن طريق تجاري واستراتيجي واحد يبدأ من الخليج، ويمر بخليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس، وينتهي في البحر المتوسط.

وأوضح أن الحرب مع إيران رفعت مستوى المخاطر المحيطة بمضيق هرمز، بينما أدت هجمات الحوثيين إلى اضطراب الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، ما جعل أمن المضيقين جزءًا من معادلة مترابطة لا يمكن لواشنطن التعامل مع أحد طرفيها بمعزل عن الآخر.

ويرى CIMSEC أن الولايات المتحدة تحتاج، نتيجة ذلك، إلى موقع مستقر على الضفة الإفريقية المقابلة لليمن، يمكن الانطلاق منه لمراقبة الممرات البحرية وحماية السفن وتأمين خطوط التجارة والإمداد.

وقدم المقال صوماليلاند بوصفها المرشح الأنسب لهذا الدور، بالنظر إلى موقع بربرة على خليج عدن وقربها من باب المندب وامتلاكها ميناءً ومدرجًا جويًا قابلين للتطوير والاستخدام العسكري.

 

 سياسة «الصومال الواحد» أصبحت متقادمة

من جهته، ذهب معهد Horn Review الإثيوبي إلى مهاجمة الأساس السياسي الذي يستند إليه الموقف الأمريكي الرافض للاعتراف بصوماليلاند.

واعتبر أن عدم الاعتراف لا يقوم، في معظمه، على مبدأ قانوني واضح أو مصلحة قومية أمريكية محددة، وإنما على حذر مفرط وتمسك بسياسة قديمة تنظر إلى الصومال باعتباره دولة واحدة لا يجوز المساس بحدودها.

ودعا المعهد إدارة ترامب إلى تجاوز هذا الموقف، زاعمًا أن الموقع الساحلي لصوماليلاند يجعلها شريكًا مهمًا للولايات المتحدة في الأمن البحري والخدمات اللوجستية والانتشار العسكري.

وأشار إلى أن عبد الرحمن عرّو أبدى، منذ وصوله إلى واشنطن، استعداد إدارته لمنح الولايات المتحدة فرصًا وتسهيلات عسكرية مرتبطة بميناء بربرة ومطارها، في محاولة لربط الاعتراف السياسي بمصالح أمنية أمريكية مباشرة.

وبذلك، يلتقي طرح المعهد الإثيوبي مع رؤية المركز الأمريكي عند معادلة واحدة: اعتراف أمريكي بصوماليلاند في مقابل شراكة أمنية طويلة الأمد وموقع عسكري متقدم على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

 

بربرة بديلًا أو مكملًا لجيبوتي

يرى التقريران أن بربرة قد تمنح الولايات المتحدة بديلًا أو موقعًا إضافيًا خارج جيبوتي، حيث تتمركز قواعد ومنشآت عسكرية لدول عدة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين.

ووفق Horn Review، فإن وجود القوتين المتنافستين داخل جيبوتي يفرض على واشنطن تعقيدات أمنية واستخباراتية، ويجعل البحث عن موقع آخر في القرن الإفريقي خيارًا جذابًا.

أما CIMSEC فيرى أن إقامة علاقة مباشرة وطويلة الأمد مع صوماليلاند قد تكون أكثر استقرارًا من الاعتماد الكامل على قواعد تستضيفها دولة أخرى، قد تغير سياستها مستقبلًا أو تفرض قيودًا على استخدام القوات الأمريكية لتلك المنشآت.

ومن هذا المنطلق، يجري تقديم بربرة باعتبارها قاعدة محتملة للعمليات البحرية والجوية، ومركزًا للإمداد والمراقبة، ونقطة يمكن من خلالها متابعة التحركات في خليج عدن والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

 

جدل السابقة الانفصالية

رفض Horn Review المخاوف القائلة إن اعتراف الولايات المتحدة بصوماليلاند قد يشكل سابقة تشجع الانفصال في مناطق أخرى من القارة الإفريقية.

واستند المعهد إلى اختلاف التاريخ الاستعماري لصوماليلاند وإلى الفترة القصيرة التي كانت خلالها كيانًا مستقلًا قبل اتحادها مع بقية الصومال، معتبرًا أن حالتها لا يمكن قياسها بصورة تلقائية على النزاعات الانفصالية الأخرى.

ويستخدم أنصار الانفصال هذه الخلفية للقول إن الاعتراف لن يؤدي إلى إنشاء دولة جديدة، بل إلى استعادة كيان سبق أن تمتع بالاستقلال.

في المقابل، تتمسك الحكومة الصومالية بوحدة البلاد وسيادتها على كامل أراضيها، وترفض أي تعامل مع صوماليلاند بوصفها دولة مستقلة أو إبرام اتفاقات تتعلق بأراضيها وموانئها من دون موافقة مقديشو.

 

الاعتراف بوابة للطموح البحري الإثيوبي

رغم أن التقرير الإثيوبي يقدم دعوته من زاوية المصالح الأمريكية، فإنها تتقاطع بوضوح مع مساعي أديس أبابا للحصول على منفذ دائم إلى البحر الأحمر أو خليج عدن.

فالاعتراف الأمريكي بصوماليلاند سيقوي موقف إدارتها دوليًا، ويوسع قدرتها على عقد اتفاقات بحرية وعسكرية واقتصادية مع إثيوبيا من دون الرجوع إلى الحكومة الفيدرالية الصومالية.

ومن شأن هذا التحول أن يمنح أديس أبابا مساحة أكبر لإحياء مشاريعها المرتبطة بميناء بربرة، وربط الأراضي الإثيوبية بساحل خليج عدن عبر ممرات تجارية ولوجستية وأمنية.

وبذلك، تبدو الدعوة الإثيوبية إلى الاعتراف جزءًا من صراع أوسع على الموانئ والسيادة والنفوذ البحري في القرن الإفريقي، ولا تنفصل عن الأزمة التي تفجرت بين الصومال وإثيوبيا بسبب محاولات أديس أبابا الحصول على منفذ بحري عبر اتفاقات مباشرة مع صوماليلاند.

 

الكونغرس ومسار الاعتراف التدريجي

دعا مقال CIMSEC واشنطن إلى التحرك بصورة تدريجية، بالتوازي مع تسريع مشروع قانون مطروح أمام الكونغرس يطالب الولايات المتحدة بالاعتراف بصوماليلاند دولة مستقلة عن الصومال.

ويمكن أن يبدأ هذا المسار، وفق الطرح، بتوسيع الاتصالات السياسية والأمنية المباشرة مع هرجيسا، وزيادة التعاون في مجالات الموانئ والملاحة والمراقبة البحرية، ثم الانتقال لاحقًا إلى الاعتراف الرسمي.

وتحاول إدارة عرّو استثمار زيارتها الحالية إلى واشنطن لإقناع صناع القرار بأن الاعتراف لن يكون مجرد مكسب سياسي لها، وإنما خطوة تخدم المصالح العسكرية والتجارية الأمريكية في ظل الاضطرابات الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب.

حملة متزامنة وليست موقفًا أمريكيًا رسميًا

تكشف الدعوتان الأمريكية والإثيوبية عن حملة متصاعدة لنقل قضية صوماليلاند من إطارها الصومالي الداخلي إلى قلب الحسابات الأمنية الأمريكية في البحر الأحمر.

فالمركز الأمريكي يقدم بربرة بوصفها حلًا لثغرات الانتشار العسكري التي كشفتها الحرب مع إيران، بينما يعرض المعهد الإثيوبي الاعتراف باعتباره وسيلة لتحرير واشنطن من سياسة «الصومال الواحد» ومنحها بديلًا استراتيجيًا عن جيبوتي.

وعند نقطة التقاطع بين الطرحين، تقف إثيوبيا بوصفها مستفيدًا محتملًا من أي تغيير في الموقف الأمريكي؛ إذ يمكن للاعتراف بصوماليلاند أن يزيل عقبة أساسية أمام طموح أديس أبابا البحري ويعيد تشكيل موازين النفوذ على خليج عدن.