هل تحقق كينيا مع قوات الدعم السريع السودانية؟.. العدالة تصطدم بالسياسة
تواجه كينيا اختباراً قانونياً وسياسياً حساساً بعد تقديم شكوى جنائية تطالب بفتح تحقيق مع أفراد من قوات الدعم السريع «RSF» بشأن جرائم دولية تتهم بارتكابها خلال الحرب السودانية.
وفي يونيو/حزيران الماضي، تقدمت منظمتا Legal Action Worldwide وAfrican Centre for Justice and Peace Studies بشكوى إلى مكتب المدعي العام الكيني نيابة عن 12 ضحية سودانية، مطالبتين بالتحقيق في اتهامات تتعلق بالتعذيب والاحتجاز غير القانوني والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع والقتل، في الخرطوم ومحيطها بين أبريل/نيسان 2023 ومارس/آذار 2025.
ولا تزال السلطات الكينية تدرس ما إذا كانت ستفتح تحقيقاً رسمياً.
لماذا كينيا؟
تستند الشكوى إلى قانون الجرائم الدولية الكيني الصادر عام 2009، والذي أدرج مبادئ نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ضمن القانون المحلي.
ويتيح القانون، في ظروف معينة، ملاحقة الأجانب عن الجرائم الدولية عندما يكون المشتبه به موجوداً داخل الأراضي الكينية.
وتقول الشكوى إن بعض المشتبه بهم من قوات الدعم السريع لديهم صلات بكينيا ويسافرون عبرها، من دون أن تحدد أسماءهم أو أماكن وجودهم.
وهنا تكمن أهمية الخطوة؛ فكينيا قد تجد نفسها أمام اختبار حقيقي لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي، الذي يسمح للدول بملاحقة بعض أخطر الجرائم الدولية بغض النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الضحايا والجناة.
لكن المشكلة أن امتلاك النص القانوني لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة أو الإرادة السياسية لتطبيقه.
تحقيق في جرائم ارتُكبت خارج كينيا
التحقيق في جرائم وقعت داخل السودان سيكون مهمة شديدة التعقيد.
فالمحققون الكينيون لا يستطيعون ببساطة دخول مناطق النزاع، أو تفتيش مواقع الجرائم، أو ضبط الوثائق، أو استخراج الأدلة من المقابر، أو إجبار الشهود الموجودين في السودان على التعاون.
كما أن استمرار الحرب وعدم وضوح مستوى التعاون الذي يمكن الحصول عليه من السلطات السودانية يزيدان من صعوبة بناء ملف جنائي يستوفي معايير الإثبات المطلوبة أمام المحاكم.
لكن هذه العقبات ليست مستحيلة الحل.
يمكن لكينيا الاستفادة من قانون المساعدة القانونية المتبادلة لعام 2011، أو طلب التعاون الإقليمي عبر الاتحاد الإفريقي، بما يسمح بجمع الأدلة والشهادات خارج السودان.
كما يمكن الاستماع إلى ضحايا ولاجئين وشهود موجودين في دول أخرى، وجمع السجلات الطبية والرقمية والمالية وبيانات السفر وغيرها من الأدلة التي يمكن أن تساعد في بناء القضية.
وتظهر تجارب أوروبية سابقة، مثل محاكمات جرائم التعذيب المرتبطة بالحرب السورية في ألمانيا، أن شهادات اللاجئين وأفراد الجاليات يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة في قضايا الجرائم الدولية، بشرط التحقق منها وتعزيزها بأدلة أخرى وتوفير حماية مناسبة للشهود.
المشكلة الأكبر: السياسة
لكن العقبة الأكثر حساسية قد لا تكون قانونية أو تقنية، بل سياسية.
فهل ستكون كينيا مستعدة للتحقيق مع أفراد من قوات الدعم السريع إذا كان بعض قادة الحركة أو المرتبطين بها يتمتعون، بحسب تقارير، بعلاقات سياسية أو مصالح أو إمكانية إقامة داخل البلاد؟
هذا السؤال يجعل القضية اختباراً ليس فقط للقانون الكيني، وإنما لإرادة الدولة في تطبيق القانون عندما تكون المحاسبة ذات تكلفة سياسية أو دبلوماسية.
وتزداد حساسية المسألة بسبب العلاقات الوثيقة بين كينيا والإمارات العربية المتحدة، التي تُتهم بأنها الداعم الخارجي الرئيسي لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
وفي الوقت نفسه، يحافظ الرئيس الكيني ويليام روتو على موقف يدعو إلى التفاوض وإنهاء الحرب السودانية، وانتقد قادة طرفي النزاع، لكنه ركز بصورة أكبر على الوساطة والحل السياسي من التركيز على آليات المحاسبة الجنائية.
روتو بين الوساطة والمساءلة
القضية تضع الرئيس الكيني أمام معادلة صعبة. فكينيا تحاول لعب دور الوسيط في ملفات إقليمية، بينما قد يؤدي فتح تحقيق جنائي ضد شخصيات مرتبطة بأحد أطراف الحرب السودانية إلى تعقيد علاقاتها مع أطراف إقليمية مؤثرة.
كما أن سجل كينيا مع المحكمة الجنائية الدولية يجعل القضية أكثر حساسية.
فروتو نفسه كان متهماً في قضية أمام المحكمة الجنائية الدولية على خلفية أعمال العنف التي أعقبت الانتخابات الكينية عام 2007، قبل أن تنتهي القضية عام 2016 بعد انهيار ملف الادعاء.
وبالتالي فإن أي تحرك كيني جديد في مجال العدالة الدولية يمكن أن يعيد إلى الواجهة الجدل الداخلي حول المحكمة الجنائية الدولية، وحدود تدخل القضاء الدولي في السياسة، والعلاقة بين العدالة والمصالحة.
السودان يدخل السياسة الكينية
لم تبقَ القضية داخل المحاكم أو مكاتب المدعين العامين، بل بدأت تتداخل مع السياسة الداخلية في كينيا.
فخصوم الرئيس روتو استغلوا الجدل لاتهامه بوجود مصالح مرتبطة بالحرب السودانية، بينما أثار زعيم حزب «Wiper Patriotic Front» كالونزو موسيوكا قضية حظر السودان واردات الشاي الكيني، بعد استضافة كينيا في 2025 اجتماعات مرتبطة بقوات الدعم السريع.
وهكذا تحولت الحرب السودانية من أزمة خارجية إلى ملف يمكن أن يؤثر في الاقتصاد والسياسة الداخلية الكينية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات 2027.
العدالة قد تصطدم بالوساطة
المفارقة أن كينيا تحاول في الوقت نفسه لعب دور في الوصول إلى تسوية سياسية للحرب السودانية، بينما يمكن لأي تحقيق جنائي مع شخصيات مرتبطة بأحد طرفي النزاع أن يؤثر في علاقاتها مع هذا الطرف وحلفائه.
وهنا تعود إلى الواجهة معادلة قديمة: هل يجب تقديم السلام أم العدالة؟
المنظمات الحقوقية ترى أن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يعني تجاهل الجرائم التي ارتُكبت خلالها، بينما قد يرى الوسطاء أن فتح ملفات جنائية في خضم الحرب يمكن أن يعقد فرص التفاوض.
لكن التجربة السودانية نفسها تظهر خطورة تأجيل المحاسبة إلى أجل غير معلوم؛ فكلما طال أمد الحرب، زادت صعوبة جمع الأدلة، وحماية الشهود، وتحديد المسؤوليات.
اختبار حقيقي للولاية القضائية العالمية
إذا قررت كينيا فتح تحقيق جدي، فقد تصبح القضية سابقة مهمة في القارة الإفريقية، وتختبر مدى قدرة الدول الإفريقية على استخدام قوانينها الوطنية لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية.
أما إذا لم تتحرك، فقد تعزز المخاوف من أن قوانين الاختصاص العالمي تبقى موجودة على الورق أكثر مما هي أدوات فعلية لتحقيق العدالة.
وفي الحالتين، يمكن أن يكون للشكوى أثر يتجاوز مصيرها القضائي المباشر.
فهي تمنح الضحايا السودانيين فرصة لتوثيق رواياتهم رسمياً، وتبعث برسالة بأن ارتكاب الجرائم الدولية لا يمنح أصحابها حصانة لمجرد عبور الحدود، وقد تشجع ضحايا آخرين على تقديم شكاوى في دول مختلفة.
الخلاصة
قضية قوات الدعم السريع في كينيا ليست مجرد معركة قانونية بين ضحايا ومشتبه بهم؛ إنها اختبار معقد عند تقاطع العدالة الدولية والسياسة الإقليمية والمصالح الاقتصادية والوساطة الدبلوماسية.
قد تكون كينيا قادرة قانونياً وتقنياً على بدء التحقيق، لكن السؤال الأكثر حسماً هو: هل تملك الإرادة السياسية لدفعه إلى النهاية؟
وفي النهاية، قد لا يكون الإرث الأهم لهذه القضية عدد الأشخاص الذين ستتم محاكمتهم، بل ما إذا كانت ستنجح في كشف حدود العدالة العابرة للحدود في إفريقيا، وفتح طريق جديد أمام ضحايا الحرب السودانية لمواجهة الإفلات من العقاب.