واشنطن تضغط على دول إفريقية للانسحاب من «الجنائية الدولية» وتهددها بـ«العواقب»
توسّع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطها على الدول الإفريقية الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، في محاولة لدفعها إلى الانسحاب من المحكمة، وسط تهديدات بإجراءات قد تطال علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية» في 4 أغسطس/آب، نقلاً عن مصادر مطلعة على أجواء المحكمة في لاهاي، تستخدم واشنطن أسلوبين رئيسيين للضغط على الدول الإفريقية المستهدفة.
الأول يتمثل في التحذير من احتمال تعرض مسؤولين في تلك الدول للملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية. وذكرت المصادر أن تشاد، التي واجهت انتقادات من منظمات غير حكومية بسبب دعمها لقوات الدعم السريع في السودان، شعرت بالقلق من احتمال فتح ملاحقات بحق مسؤولين فيها، رغم أن مثل هذه الإجراءات تُعد غير مرجحة.
أما الأسلوب الثاني، وفق التقرير، فيتمثل في التهديد بإلغاء أو تقليص ترتيبات التعاون الأمني مع الولايات المتحدة في حال رفضت الدول الانسحاب من المحكمة.
وتقول المصادر إن عدة دول إفريقية أعضاء في المحكمة تلقت خلال أواخر يوليو/تموز اتصالات وزيارات ورسائل من مسؤولين أمريكيين. وكانت أوغندا، بحسب «لوموند»، من بين الدول التي تلقت في 24 يوليو رسالة تضمنت مهلة للانسحاب من المحكمة، وإلا واجهت «عواقب». إلا أن كمبالا لم تستجب حتى الآن لهذه الضغوط.
كما استهدفت الضغوط الأمريكية بنين، التي أبدت، بحسب المصادر، استعداداً لمقاومة المساعي الأمريكية. وتكتسب المواجهة أهمية خاصة في ظل وجود القاضية البنينية ريين ألابيني غانسو بين ثلاثة قضاة في المحكمة تقدموا في يونيو/حزيران بشكوى في نيويورك ضد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والرئيس دونالد ترامب، احتجاجاً على العقوبات التي فرضتها واشنطن عليهم.
صدام متصاعد مع المحكمة
ويأتي هذا التصعيد في سياق توتر متزايد بين إدارة ترامب والمحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
ومنذ ذلك الحين، اتخذت واشنطن خطوات عقابية ضد المحكمة ومسؤولين فيها، فيما أعلن روبيو في يوليو/تموز أن بلاده ستعمل على «تفكيك المحكمة الجنائية الدولية».
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المواجهة لم تعد مقتصرة على العقوبات المباشرة ضد المحكمة ومسؤوليها، وإنما باتت تمتد إلى الدول الأعضاء فيها، خصوصاً في إفريقيا، حيث تملك المحكمة حضوراً واسعاً وتضم غالبية الدول الإفريقية الأعضاء في نظام روما الأساسي.
وفي يوليو/تموز أيضاً، أدت ضغوط دبلوماسية أمريكية وإسرائيلية، وفق التقرير، إلى انسحاب كولومبيا من مشاركتها في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، بينما كانت نيكاراغوا قد انسحبت من القضية في أبريل/نيسان 2025.
مواجهة مع النظام القضائي الدولي
ويثير الضغط الأمريكي على الدول الإفريقية سؤالاً أوسع بشأن مستقبل المؤسسات القضائية الدولية، إذ ترى «لوموند» أن التحرك يمثل جزءاً من مساعي إدارة ترامب لإضعاف المحكمة الجنائية الدولية وتقويض ما يُعرف بالنظام الدولي القائم على القواعد.
ولا تُعد الولايات المتحدة أو الاحتلال الإسرائيلي طرفين في نظام روما الأساسي، وبالتالي فهما ليستا دولتين عضوتين في المحكمة الجنائية الدولية، التي تختص بالنظر في جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان ضمن شروط اختصاصها.
ويعود التوتر الأمريكي مع المحكمة إلى سنوات أبعد من أزمة غزة؛ إذ يتيح قانون حماية أفراد الخدمة الأمريكيين لعام 2002 للرئيس الأمريكي استخدام «كل الوسائل الضرورية والمناسبة» لتأمين إطلاق سراح أفراد أمريكيين أو حلفاء محتجزين لدى المحكمة، وهو ما أكسب القانون لقب «قانون غزو لاهاي».
ومع انتقال الضغوط من استهداف المحكمة نفسها إلى الضغط على الدول الأعضاء فيها، تبدو المعركة أمام اختبار جديد: هل تستطيع الدول الإفريقية الحفاظ على عضويتها واستقلال قراراتها، أم ستدفع التهديدات الأمنية والسياسية بعضها إلى الانسحاب من المحكمة؟
ثم إلى متى تستمر أساليب البلطجي الأمريكي الذي يرفع لافتة الحريات والديمقراطية وفي المقابل يبتز الحكومات ويطارد الحقوق التي تحت ستارها يقتل ويغزو الدول، ولكنه لا يجد حرجا من إظهار وجهه الآخر الذي يحاربها، حين تصبح الأولوية حماية الاحتلال الصهيوني.