الكاميرون على صفيح ساخن بعد إعلان فوز الرئيس بول بيا بولاية جديدة

تشهد الكاميرون منذ أيام حالة من التوتر والاضطراب عقب إعلان اللجنة الوطنية للانتخابات فوز الرئيس المخضرم بول بيا بولاية رئاسية ثامنة، وسط اتهامات واسعة بالتزوير وموجة احتجاجات عارمة عمّت عدداً من المدن الكبرى. يأتي هذا التطور في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية وإنسانية متفاقمة وصراع انفصالي دامٍ في المناطق الناطقة بالإنجليزية.

 

تفاصيل المشهد الراهن

أعلنت اللجنة الانتخابية في 12 أكتوبر الجاري فوز الرئيس بول بيا، البالغ من العمر 92 عاماً، بنسبة 53.66% من الأصوات، متقدماً على أبرز منافسيه عيسى تشيروما بكاري الذي أعلن في مؤتمر صحفي أنه الفائز الحقيقي بنسبة تجاوزت 54%.

ورفضت المعارضة النتائج، معتبرةً أنها “نتاج تزوير ممنهج وتلاعب في عملية العدّ والفرز”، ودعت أنصارها إلى النزول للشوارع دفاعاً عن “إرادة الشعب”.

في المقابل، أكدت الحكومة أن العملية الانتخابية “جرت بشفافية وتحت رقابة محلية ودولية”، بينما أغلقت السلطات عدداً من مراكز الإعلام المستقلة وفرضت قيوداً على الإنترنت في بعض المناطق التي شهدت احتجاجات واسعة.

 

الاحتجاجات والاشتباكات

شهدت مدن دوالا وياوندي وباميندا تظاهرات غاضبة سرعان ما تحولت إلى مواجهات مع قوات الأمن، استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق المحتجين.

وأكد شهود عيان سقوط عدد من الجرحى واعتقال العشرات، في حين تحدثت منظمات حقوقية عن “استخدام مفرط للقوة” ضد المدنيين.

وقالت منظمة العفو الدولية في بيانها الأخير: “الرد الأمني العنيف يزيد الوضع تعقيداً، ويكشف غياب الثقة بين الشعب والحكومة”.

 

خلفية الأزمة السياسية

يُعدّ بول بيا أحد أقدم الزعماء في العالم، إذ تولى الحكم منذ عام 1982، ما يجعله الرئيس الأطول بقاءً في السلطة داخل القارة الإفريقية.

وخلال أكثر من أربعة عقود من حكمه، شهدت البلاد تقدماً محدوداً في البنية التحتية، لكن في المقابل تصاعدت الأزمات السياسية والاقتصادية، خاصة بعد اندلاع النزاع المسلح في المناطق الأنغلوفونية عام 2016 بين الحكومة ومسلحين يطالبون بالاستقلال تحت اسم “دولة أمبازونيا”.

 

الوضع الإنساني والاقتصادي

تشير تقارير برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من 3.3 مليون شخص في الكاميرون يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بسبب النزاعات المسلحة وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

وفي الشمال الغربي والجنوب الغربي، تسببت المعارك في نزوح مئات الآلاف، بينما يواجه المزارعون صعوبات في الوصول إلى أراضيهم بسبب الألغام وحواجز التفتيش.

كما يهدد تراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع التضخم مستويات المعيشة، وسط شكاوى من تدهور الخدمات الصحية والتعليمية.

 

ردود الفعل الدولية

دعت الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي الحكومة الكاميرونية إلى “ضمان الشفافية والتهدئة وفتح قنوات الحوار مع المعارضة”.

كما حثّ الاتحاد الأوروبي جميع الأطراف على “تجنّب العنف” و“العمل من أجل انتقال سياسي سلمي يحترم إرادة الشعب”.

في المقابل، حذّر محللون من أن استمرار القمع قد يدفع البلاد إلى مرحلة جديدة من الفوضى، خاصة مع تصاعد النشاط الانفصالي والاحتقان الاجتماعي.

 

يرى مراقبون أن الكاميرون تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن تنفتح السلطة على إصلاحات سياسية حقيقية وحوار وطني شامل، أو أن تدخل البلاد في دوامة جديدة من العنف والانقسام.

ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع النظام العجوز بقيادة بول بيا احتواء الغضب الشعبي المتزايد، أم أن المشهد يسير نحو “نهاية عهد” امتد لأكثر من أربعة عقود؟

 

في ظل تصاعد الاحتجاجات وتدهور الوضع الإنساني، تظل الكاميرون نموذجاً حيّاً لأزمات الحكم الطويل في إفريقيا، حيث يتصارع الاستقرار الشكلي مع الحاجة الملحّة للتغيير.

ويبقى أمل الشعب الكاميروني معلّقاً على لحظة سياسية فارقة قد تعيد صياغة مستقبل البلاد نحو الحرية والعدالة.