تنزانيا: انتخابات مثيرة، احتجاجات دامية، ومستقبل غامض
تنزانيا، الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، تُعدّ واحدة من الدول التي حقّقت استقراراً نسبياً في العقود الماضية. غير أن الانتخابات الرئاسية التي جرت في أواخر أكتوبر/بداية نوفمبر 2025 شكّلت نقطة فاصلة، إذ واجهت البلاد اضطرابات كبيرة وتحدّيات جدّية على صعيد الشرعية، الحريات، والمشهد السياسي.
أعلنت لجنة الانتخابات التنزانية أن ساميا سولوهو حسن – الرئيسة الحالية – فازت بفوز ساحق بلغ نحو 97.66% من الأصوات.
وشهدت هذه الانتخابات استبعاد أبرز المنافسين للرئاسة – من أحزاب المعارضة –، سواء عبر تهم أو إجراءات بوروكراتية أو سياسية.
ولذلك فور إعلان النتائج، اندلعت احتجاجات واسعة في مدن مثل دار السلام وموانزا، حيث خرج الآلاف، ورفعوا شعارات رفضاً لما اعتبروه تزويراً وانقلاباً على الديمقراطية.
استخدمت السلطات الأمنية تدابير صارمة حيث فرضت حظر تجول، وتقييد الإنترنت ووسائل التواصل، وسمحت باستخدام الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع.
من جانبه أعلن حزب المعارضة الرئيسي (تشاديما) بأن نحو 700 شخص قُتلوا خلال 3 أيام احتجاجات، بينما أكدت كل من الأمم المتحدة ومراقبون مستقلّون وقوع عدة وفيات، لكن الأرقام متضاربة.
وحذر السفير الأمريكي والسفارة الأمريكية من وضع تنزانيا حيث تم إصدار تنبيه لمواطنيهم بعدم السفر، بينما طالبت الأمم المتحدة بفتح تحقيق شامل في استخدام القوة.
ما الذي يقف خلف هذا المشهد؟
عندما تُستبعد قوّتان معروفتان أو المفرض أن تكون لهما دور مؤثر، يُصبح السباق مبدئياً محسوماً تقريباً، ما يمسّ بجوهر العملية الديمقراطية.
سبق وأن حظيت تنزانيا بسمعة كونها بلداً يتدرّج نحو الانفتاح، لكن الأشهر الأخيرة أظهرت تغيّرات في المسار، حيث يُنظر إلى النظام على أنه يتراجع نحو تشديد القمع.
واليوم في تنزانيا أصبح الاستخدام المكثّف للقوة ضد المحتجين والاستجابات الحكوميّة تثير مخاوف من مزيد من التردّي في مجال الحقوق المدنية.
كما أن تقييد الإنترنت والاتصالات يُعدّ علامة استفهام كبيرة حول المنحى الذي تسلكه الدولة تجاه حرية التعبير والمشاركة.
التداعيات المحتملة
من المحتمل أن يعيق هذا الوضع وحدة المجتمع، ويزيد الشعور بعدم الثقة بين المواطنين والدولة، ما يُضعف القدرة على تحقيق تطور مستدام أو تنفيذ إصلاحات.
الاحتجاجات والحظر الليلي والاضطرابات تؤثر مباشرة على التجارة، الاستثمارات الأجنبية، السياحة، وما يُعدّ محركاً مهماً لموارد الدولة.
تنزانيا قد تواجه عزلة أو ضغوطات من جهات دبلوماسية ومنظمات حقوق الإنسان، مما قد ينعكس على التمويل الدولي أو شراكات التنمية.
هذا الفوز الكبير – لكنه مثير للجدل – قد يُشكّل بداية لحقبة أكثر تركيزاً للسلطة، أو أن يفتح الباب لمزيد من التوتر والاحتجاجات في السنوات المقبلة.
تنزانيا اليوم في مفترق طرق. انتخابات بدت ظاهريّاً حاسمة، لكنها تركت وراءها جرحاً عميقاً في بنية الثقة بين الشعب والدولة. ما حصل ليس مجرد نزاع انتخابي، بل اختبارٌ لمدى التزام الدولة بشعاراتها. كيف ستتعامل القيادة مع هذا الجرح، وكيف سيختار الشعب الاستجابة بذلك يُكتَب مستقبل البلاد.