شبكة إمداد خفية: من الإمارات إلى بونتلاند وليبيا… طريق الدعم العسكري لقوات حميدتي في السودان
في وقتٍ يشهد فيه السودان حربًا طاحنة بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تتكشف يومًا بعد آخر خيوط شبكة إمداد معقدة تمتد من الخليج إلى القرن الإفريقي وشمال إفريقيا.
تؤكد تقارير متعددة أن الإمارات العربية المتحدة تشكل المركز اللوجستي الرئيسي لهذه الشبكة، بينما تلعب بونتلاند وصومالي لاند دور “محطات عبور” لعمليات شحن السلاح والوقود والمعدات نحو قوات الدعم السريع عبر الأراضي الليبية والسودانية.
57 رحلة شحن في أكتوبر: أدلة تتزايد
وثيقة تداولها مراقبون في نهاية أكتوبر 2025، تظهر جدولًا تفصيليًا لـ 57 رحلة شحن عسكرية بين الإمارات وبوصاصو (بونتلاند) وليبيا خلال شهر أكتوبر وحده.
وفق الجدول، استخدمت الرحلات طائرات من نوع Ilyushin IL-76 و Boeing 747، تابعة لشركات مسجلة في آسيا الوسطى (أوزبكستان وقرغيزستان).
من بين هذه الرحلات:
32 رحلة إلى مدينة الكفرة الليبية.
25 رحلة إلى شرق ليبيا.
ويشير نص الوثيقة إلى أن جميع الرحلات “انطلقت بإشراف مباشر من القوات الجوية الإماراتية المرتبطة بعمليات لوجستية خارجية”.

الصورة المرفقة مأخوذة من تقارير ميدانية عن نشاط الطيران في أكتوبر 2025.
طريق الإمداد: من أبوظبي إلى بوصاصو فالكفرة
تُجمع تقارير عدة على أن بوصاصو، الميناء الرئيس لبونتلاند في شمال الصومال، تحولت إلى محطة عبور استراتيجية للإمدادات الإماراتية.
وفق موقع ميدل إيست مونيتور. نشرت الإمارات منظومة رادار ومعدات مراقبة في بونتلاند تحت غطاء “مكافحة تهديدات الحوثيين”، لكن في الواقع وفّرت تلك المنشآت غطاءً لعمليات نقل عسكرية باتجاه السودان.
أما موقع Agenzia Nova الإيطالي فيذكر أن “الخط غير المعلن الذي يربط الإمارات وبونتلاند وليبيا هو القناة الأساسية لتزويد ميليشيات حميدتي بالسلاح والوقود”، معتمدًا على معلومات استخباراتية أوروبية.
اتهامات رسمية ومواقف متباينة
في سبتمبر 2025، قدّم السودان شكوى رسمية إلى الاتحاد الإفريقي يتهم فيها بونتلاند بأنها “سهّلت مرور أسلحة ومرتزقة” إلى قوات الدعم السريع عبر تمويل إماراتي، بحسب تقرير صحيفة إيست أفريكان.
ورغم نفي حكومة بونتلاند هذه الاتهامات، فإن تقارير الأمم المتحدة أكدت وجود نشاط متزايد للطائرات القادمة من أبوظبي نحو مطارات شرق إفريقيا، بعضها “خارج نطاق التصاريح المعلنة”.
تقرير حديث للأمم المتحدة نشره موقع هيران أشار إلى أن الإمارات “انتهكت حظر الأسلحة الدولي عبر نقل معدات عسكرية إلى السودان والصومال”، وأن بعض الشحنات مرت “عبر أراضٍ خاضعة لحكم ذاتي في الصومال”.
صومالي لاند: الدور الغامض
رغم غياب دليل مباشر على مشاركة صومالي لاند في تسليم أسلحة، إلا أن موقعها الجغرافي وموانئها على خليج عدن جعلتها — بحسب محللين — نقطة دعم محتملة لوجستيًا في العمليات الإماراتية.
ويُعتقد أن بعض الشحنات المنقولة من بونتلاند تمر عبر المياه الإقليمية لصومالي لاند قبل التوجه نحو الساحل الليبي.
الإمارات تنفي… والميدان يقول غير ذلك
تواصل الإمارات نفيها لأي علاقة بتسليح الدعم السريع، مؤكدة أن دورها “إنساني وتنموي” فقط.
لكنّ الواقع الميداني، كما تشير مصادر أول أفريكا، يُظهر أن الدعم اللوجستي الخارجي “يلعب دورًا حاسمًا في بقاء قوات حميدتي على الأرض” رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية.
حرب بأجنحة متعددة
يشير الباحثون إلى أن هذا النمط من الدعم يفتح فصلاً جديدًا في الحرب السودانية، إذ يتحول النزاع المحلي إلى مسرح إقليمي مفتوح تتداخل فيه مصالح الخليج والقرن الإفريقي وشمال إفريقيا.
فالرحلات الجوية التي تم توثيقها ليست سوى جزء من شبكة أعقد تضم وسطاء وشركات طيران صغيرة وشبكات تهريب بحرية.
في ظل استمرار القتال، تكشف الوثائق والرحلات الجوية عن بعدٍ أعمق للنزاع في السودان، بعد تتقاطع فيه الجغرافيا بالمال والسلاح والسياسة.
ويبقى السؤال: هل يستطيع أحد كبح هذه الشبكات قبل أن تتحول بونتلاند وليبيا إلى شريان حرب يهدد أمن المنطقة بأكملها؟