“اقتصاد على الورق… وأمة على حافة الانهيار” تقرير يكشف زيف ادعاءات صندوق النقد الدولي بشأن تحسن الاقتصاد الصومالي
في وقتٍ تشهد فيه الأسواق الصومالية ركودًا اقتصاديًا حادًا وغير مسبوق، وخصوصًا في العاصمة مقديشو، أصدرت الجهة التي تُعرف باسم صندوق النقد الدولي (IMF) تقريرًا جديدًا أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، بعدما زعمت فيه أن إيرادات الصومال ارتفعت بنسبة 3%، وأن البلاد تحتل “موقعًا متقدمًا بين الدول التي شهدت نموًا في الدخل القومي خلال هذا العام”.
وذكر التقرير أن من بين الأسباب التي ساهمت في ارتفاع الدخل الصومالي، ما وصفه بـ“الجهود الكبيرة التي تبذلها حكومة الردّة في زيادة الإيرادات المحلية”، مشيرًا إلى “نجاح” السلطات في جمع الضرائب والرسوم الإضافية المفروضة على المواطنين.
كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن ما سماه “الإصلاحات القانونية والإدارية” في تحصيل الأموال من التجار والمجتمع، كان أحد العوامل الرئيسية في تحسن الوضع المالي للصومال، بحسب تعبيره.
وأضاف التقرير أن من أبرز مظاهر التحسن “تحديث أنظمة الجمارك ومراكز التحصيل”، معتبرًا ذلك جزءًا من “إعادة الهيكلة الاقتصادية التي أسهمت في ارتفاع دخل الحكومة”.
وخَلُص التقرير إلى أن هذه الخطوات كانت سببًا في “زيادة الإيرادات العامة” لدى ما سماه “حكومة الردّة في الصومال”.
لكن التساؤلات التي تطرح نفسها:
هل ما تقوله مؤسسة النقد الدولية حقيقي؟
أين يقف الاقتصاد الصومالي اليوم؟
ولماذا تصدر هذه المؤسسة تقارير تحمل أجندات سياسية مشبوهة ضد الشعب الصومالي؟
عند النظر بعمق إلى الواقع المعيشي في البلاد، يتضح أن العدوان الاقتصادي المفروض على الصومال من قبل القوى الغربية ليس سوى وجه آخر من وجوه الاحتلال.
فلو كان هناك فعلًا تحسن في الدخل القومي، لظهر ذلك في حركة الأسواق والأنشطة التجارية، غير أن ما يراه المواطنون يوميًا هو تراجع مروّع في القوة الشرائية، وانخفاض في المبيعات، وإغلاق للمحال التجارية في شوارع مقديشو.
تشهد الأسواق التجارية ركودًا واسعًا، وتراجعًا في حركة البيع والشراء إلى أدنى المستويات. وقد اضطر بعض التجار إلى تخفيض الأسعار بشكل كبير على أمل تنشيط السوق، إلا أن النتائج بقيت محدودة. فبحسب مراقبين اقتصاديين، لم تشهد الصومال منذ سنوات تدهورًا اقتصاديًا بمثل هذا العمق والخطورة.
أما في الأسواق العامة بالعاصمة، فقد لوحظ أن عمليات الاستيراد والتصدي، وكذلك تجارة الجملة والتجزئة، كلها في حالة تراجع متزايد يومًا بعد يوم، مما يؤكد أن التقرير الصادر عن صندوق النقد الدولي لا يمتّ إلى الواقع بصلة.
وقد وصف التجار الصوماليون هذه التقارير بأنها “ادعاءات زائفة ومضللة”، مؤكدين أنه “لو كانت الإيرادات قد ارتفعت فعلًا، لكان السوق أول من يشعر بذلك”، لكن الواقع يقول العكس تمامًا: الركود يزداد، والدخل يتناقص، والفقر يشتدّ.
وأكد عدد من التجار في تصريحات للإعلام المحلي أن الربع الأخير من هذا العام كان الأسوأ على الإطلاق من حيث النشاط التجاري، حيث شهدت مقديشو أسوأ ركود اقتصادي منذ سنوات، بينما تواصل إغلاق العديد من المحال التجارية أبوابها.
ويشير المراقبون إلى أن هذه الأزمة تفاقمت منذ عودة حسن جرجورتي إلى سدة الحكم، إذ واجه التجار منذ ذلك الحين سياسات مالية قاسية، وضغوطًا ضريبية غير مسبوقة، أدت إلى انهيار حقيقي في النشاط التجاري والمعيشي، خصوصًا داخل العاصمة.
وفي ظل هذا الوضع الصعب، تحدث عدد من التجار لوسائل الإعلام المحلية عن غياب السيولة المالية وتفاقم الضائقة المعيشية، معتبرين أن البيان الصادر عن صندوق النقد ما هو إلا دعاية موجهة تخدم “مشروعًا دوليًا أوسع” ضد الشعب الصومالي المسلم.
وأكد بعضهم أن هذا البيان “يُظهر بوضوح المؤامرة الاقتصادية الغربية التي تهدف إلى شلّ الاقتصاد الصومالي، وتبرير عمليات النهب الممنهج التي تمارسها السلطات العميلة باسم الإصلاح الاقتصادي”.
ووفقًا لمصادر مالية محلية، فإن أكثر من أربعة مليارات دولار أمريكي تم سحبها مؤخرًا من مقديشو، بعد أن قام عدد من رجال الأعمال الكبار بتهريب أموالهم إلى دول شرق إفريقيا، مثل كينيا وتنزانيا وزامبيا، خوفًا من مصادرتها تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب”.
ويعيش التجار اليوم حالة من الخوف والارتباك، بعد أن أقرّ البرلمان ما يُسمّى “قانون مكافحة الإرهاب”، الذي يُستخدم، بحسبهم، كذريعة لمصادرة الأموال وملاحقة رؤوس الأموال الخاصة.
وختم صندوق النقد تقريره بالدعوة إلى ما وصفه بـ“مضاعفة الجهود في تعزيز الإيرادات”، في ما اعتبره الاقتصاديون تشجيعًا صريحًا على نهب أموال المواطنين واستنزاف الاقتصاد المحلي، مقدمًا شكره لحكومة الردّة في الصومال على “الخطوات الإصلاحية” التي تتخذها — وهي في حقيقتها، خطوات لتدمير ما تبقى من بنية الاقتصاد الوطني.
وبذلك يظهر أن النمو الذي تحدّثت عنه المؤسسة الدولية ليس نموًا اقتصاديًا، بل هو نمو في حجم الضرائب والجبايات، وتوسّع في الفقر، وتراجع في الإنتاج، وازدياد في أعداد العاطلين والجائعين. فبينما تزدهر التقارير بالأرقام، تختنق الأسواق بالواقع. وفي الصومال اليوم، ينتعش الوهم… وتموت الحقيقة جوعًا.