الاحتلال الإسرائيلي وصوماليلاند.. شراكة استراتيجية جديدة تثير مخاوف إقليمية حول البحر الأحمر

شهدت العلاقات بين الاحتلال الإسرائيلي وإقليم صوماليلاند تطورًا غير مسبوق مع الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله “عرو” إلى القدس.

ويرى مراقبون أن الأهمية الحقيقية للعلاقة الجديدة تتجاوز البعد الدبلوماسي، إذ تقع صوماليلاند على موقع استراتيجي حساس مطل على خليج عدن والبحر الأحمر، وتتحكم بساحل طويل يواجه مباشرة السواحل اليمنية، بالقرب من مضيق باب المندب الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.

وتزايدت أهمية هذه المنطقة بالنسبة لتل أبيب خلال العامين الماضيين مع تصاعد المواجهة مع جماعة الحوثي في اليمن وتكرار الهجمات التي استهدفت الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ما دفع الاحتلال إلى البحث عن موطئ قدم جديد يعزز نفوذه الأمني والعسكري في المنطقة.

ويرى محللون أن صوماليلاند تمثل بالنسبة للاحتلال فرصة استراتيجية نادرة في وقت يواجه فيه عزلة متزايدة في محيطها الإقليمي نتيجة الحروب والصراعات الأخيرة، بينما ترى قيادة الإقليم في العلاقة مع تل أبيب فرصة لتعزيز موقعها الدولي ودفع مزيد من الدول للاعتراف بها.

اتفاق تعاون استراتيجي

وخلال الزيارة وقع الجانبان إعلانًا للتعاون الاستراتيجي وصفته سلطات صوماليلاند بأنه يمثل بداية أهم مرحلة في العلاقات الثنائية بين الطرفين.

كما افتتحت صوماليلاند رسميًا سفارتها في القدس الغربية بحضور وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي جدعون ساعر، في خطوة أثارت ردود فعل غاضبة، نظرًا لحساسية وضع القدس على الساحة الدولية.

وتحدث مسؤولون من الجانبين عن آفاق تعاون واسعة تشمل الأمن والدفاع والتجارة والزراعة وإدارة المياه والصحة، إلا أن الجانب الأمني ظل الأكثر إثارة للاهتمام والجدل.

 

تكهنات حول وجود عسكري إسرائيلي

ومنذ إعلان الاحتلال الاعتراف بصوماليلاند، تزايدت التكهنات حول احتمال سعي تل أبيب إلى إنشاء منشأة أو وجود عسكري في الإقليم، خصوصًا في مدينة بربرة الساحلية التي تضم مطارًا ذا أهمية استراتيجية استخدم في السابق لأغراض دولية وعسكرية.

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي قد تحدث خلال زيارة سابقة إلى صوماليلاند عن رغبة بلاده في إقامة “شراكة استراتيجية” تشمل التعاون الدفاعي، فيما أشار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى وجود تعاون بين الجانبين منذ سنوات “بعيدًا عن الأضواء”، معربًا عن أمله في تطويره إلى مستويات أعلى.

ورغم نفي رئيس صوماليلاند وجود خطط حالية لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية، فإنه لم يستبعد ذلك بشكل قاطع عندما سئل عن هذا الاحتمال في مقابلة إعلامية إسرائيلية.

انقسام داخل صوماليلاند

ورغم الترحيب الرسمي بالعلاقات مع تل أبيب، بدأت تظهر أصوات معارضة داخل صوماليلاند نفسها. فقد طالب الرئيس السابق موسى بيحي عبدي الحكومة بالكشف عن تفاصيل الاتفاقات الموقعة مع  الاحتلال الإسرائيلي، معربًا عن مخاوف من استخدام أراضي الإقليم في صراعات إقليمية.

كما شهدت الأوساط الدينية انقسامًا بين مؤيدين يرون في الاعتراف الإسرائيلي مكسبًا سياسيًا مهمًا للإقليم، ومعارضين يعتبرون أن التقارب مع اليهود يتعارض مع المواقف الشعبية والدينية السائدة في المجتمع ذي الأغلبية المسلمة.

 

اعتراف لم يغير الموقف الدولي

ورغم المكاسب السياسية التي حققتها صوماليلاند من الاعتراف الإسرائيلي، فإن الإقليم لم يحصل حتى الآن على اعترافات إضافية من دول أخرى. كما أكدت الولايات المتحدة أن موقفها من القضية لم يتغير، بينما أعربت السعودية وتركيا ومصر والاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية عن تحفظاتها على الخطوة الإسرائيلية.

وفي المقابل، أعلنت جماعة الحوثي معارضتها، وأنها ستعتبر أي وجود إسرائيلي في صوماليلاند “هدفًا عسكريًا مشروعًا”، كما نددت بافتتاح سفارة للإقليم في القدس.

ومن جانبها حذرت حركة الشباب المجاهدين التي تسيطر على مساحات شاسعة وسط وجنوب الصومال من الاعتراف وتبعاته مطالبة شعب صومالي لاند بخلع رئيسهم المرتد. وأكدت الوقوف في صف القضية الفلسطينية ونصرتها.

وبينما يمضي الاحتلال الصهيوني وصوماليلاند في توسيع علاقاتهما، يرى مراقبون أن هذه الشراكة الجديدة قد تعيد رسم بعض معادلات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام تحديات سياسية وأمنية جديدة في منطقة تعاني أصلًا من التوترات والصراعات المتشابكة.