الحرب الأمريكية الإيرانية تعيد رسم الحسابات الجيوسياسية في أفريقيا

بدأت تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تتجاوز حدود الشرق الأوسط، لتنعكس على المشهدين الاقتصادي والسياسي في أفريقيا، حيث دفعت التطورات المتسارعة حكومات القارة إلى إعادة تقييم أولوياتها في مجالات الطاقة والأمن والشراكات الدولية، وسط مخاوف من استمرار الاضطرابات في أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية.

ورغم أن التأثيرات الأولى ظهرت في صورة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة الشحن البحري وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق المالية، فإن محللين يرون أن التداعيات بعيدة المدى قد تكون أكثر عمقًا، مع احتمال إعادة تشكيل خريطة التحالفات الدولية وشبكات التجارة والاستثمار في القارة.

 

أفريقيا بين المخاطر والفرص

تواجه الدول الأفريقية، التي يعاني كثير منها من النزاعات المسلحة والديون والاقتصادات الهشة، تحديات إضافية نتيجة الأزمة، إلا أن هذه التطورات أعادت أيضاً إحياء نقاشات قديمة حول ضرورة تعزيز الاكتفاء الذاتي في قطاع الطاقة، وتنويع الشركاء الدوليين، وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية.

ويرى خبراء أن التحولات الجارية في النظام الدولي قد تمنح الحكومات الأفريقية فرصة لإعادة صياغة علاقاتها الخارجية، عبر تنويع مصادر التمويل والاستثمار، وتقوية المؤسسات الإقليمية، وبناء شراكات أكثر توازناً مع القوى الدولية.

 

منافسة دولية متزايدة على النفوذ

وتتزامن الأزمة مع تراجع نسبي في قدرة إيران على توسيع نفوذها الخارجي إذا طال أمد المواجهة العسكرية، وهو ما قد يؤثر على علاقاتها مع بعض الدول الأفريقية التي عززت تعاونها معها خلال السنوات الأخيرة.

لكن أي تراجع محتمل للدور الإيراني لا يعني انحسار المنافسة الدولية داخل القارة، إذ تشير التقديرات إلى أن روسيا وتركيا قد تسعيان إلى توسيع حضورهما السياسي والعسكري. فقد عززت موسكو تعاونها العسكري مع عدد من الدول الأفريقية، بينما وسعت أنقرة نفوذها عبر صادرات الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة وبرامج التدريب والتعاون الدبلوماسي.

ويرى مراقبون أن النتيجة قد لا تكون تقليص التدخلات الخارجية، بل زيادة التنافس بين القوى الدولية على النفوذ داخل أفريقيا.

 

السودان والبحر الأحمر في قلب الصراع

ويبرز السودان باعتباره أحد أكثر الساحات تأثراً بهذه التحولات، إذ أصبح الصراع الداخلي فيه مرتبطاً بشكل متزايد بالتنافس الإقليمي والدولي، وبأهمية البحر الأحمر كممر استراتيجي للتجارة والإمدادات العسكرية.

وكانت بعض التقديرات قد رجحت أن تؤدي الأزمة الإيرانية إلى تقارب بين السعودية والإمارات بما ينعكس إيجاباً على جهود إنهاء الحرب السودانية، إلا أن مؤشرات الواقع لم تدعم هذا السيناريو، حيث لا تزال المنافسة بين الطرفين بشأن السودان ومنطقة البحر الأحمر قائمة.

كما أعادت الأزمة تسليط الضوء على أهمية الممرات البحرية، سواء عبر مضيق هرمز أو البحر الأحمر، في ظل ارتباطهما بحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

 

أمن الطاقة على المحك

وتُعد أزمة مضيق هرمز من أبرز مصادر القلق بالنسبة للدول الأفريقية المستوردة للوقود، إذ يمر عبر المضيق جزء كبير من صادرات النفط العالمية، بينما أدت الاضطرابات في البحر الأحمر منذ عام 2023 إلى زيادة تكاليف النقل البحري وإرباك سلاسل التوريد.

ويحذر خبراء من أن استمرار هذه الاضطرابات قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والسلع الأساسية، الأمر الذي يزيد الضغوط على الاقتصادات الأفريقية ويؤثر في خطط التنمية.

كما كشفت الأزمة عن ضعف البنية الهيكلية لقطاع الطاقة في القارة، إذ لا تزال معظم الدول الأفريقية تصدر النفط الخام، بينما تعتمد على استيراد المشتقات النفطية المكررة، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات الخارجية.

 

المصافي المحلية خيار استراتيجي

وتتزايد الدعوات إلى توسيع قدرات التكرير داخل أفريقيا للحد من الاعتماد على الواردات. ويُنظر إلى مصفاة دانغوتي في نيجيريا، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 650 ألف برميل يومياً، باعتبارها نموذجاً يمكن أن يساهم في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.

وفي المقابل، لا تزال دول شرق وجنوب أفريقيا تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الوقود القادمة من دول الخليج، ما يجعلها أكثر عرضة لأي اضطرابات قد تطول مضيق هرمز.

وتجري في هذا السياق مناقشات بشأن إنشاء مشروعات تكرير جديدة في شرق أفريقيا، بهدف تعزيز الاكتفاء الذاتي وتحسين مرونة قطاع الطاقة في المنطقة.

 

فرصة لإعادة صياغة السياسات

ويرى محللون أن الأزمة الحالية قد تمثل نقطة تحول بالنسبة للقارة، إذا تمكنت الحكومات من استثمارها في تنفيذ إصلاحات طويلة الأجل، تشمل تطوير البنية التحتية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتوسيع التجارة البينية عبر منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

كما يؤكد خبراء أن الموقع الجغرافي لأفريقيا يمنحها فرصة للاستفادة من التحولات في طرق التجارة العالمية، شريطة الاستثمار في الموانئ والخدمات اللوجستية والصناعات المحلية، بما يقلل من الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية.

وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين في النظام الدولي، تبدو أفريقيا أمام اختبار مهم؛ فإما أن تظل متأثرة بالأزمات الخارجية، أو تستثمر هذه المرحلة لإعادة بناء سياسات اقتصادية وأمنية أكثر استقلالاً، تعزز قدرتها على مواجهة الصدمات وتحقيق تنمية أكثر استدامة.