السودان على حافة موجة جديدة من المجازر: القتال يتسع في كردفان والنيل الأزرق ودارفور
تزايد الضحايا المدنيين، وهجمات المسيّرات تطال الملاجئ والمنشآت الحيوية، وسط تحذيرات أممية من تكرار فظائع الفاشر وتفاقم الجوع والنزوح.
يدخل السودان مرحلة بالغة الخطورة مع استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، واتساع رقعة المواجهات في إقليم كردفان وولاية النيل الأزرق، بالتزامن مع استمرار تداعيات المجازر التي شهدها إقليم دارفور. ولم تعد الأزمة مقتصرة على المعارك بين الطرفين، بل بات المدنيون يواجهون القتل والنزوح وانقطاع الإمدادات الغذائية والطبية، في وقت تتزايد فيه صعوبة إيصال المساعدات إلى المناطق الأكثر تضررًا.
وفي أحدث إحاطة أمام مجلس الأمن، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، من استمرار تدهور الأوضاع، مشيرة إلى أن القتال يتركز خصوصًا في ولايات شمال كردفان وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بينما تمتد آثار الهجمات الجوية وهجمات المسيّرات إلى مناطق أخرى من البلاد. وأوضحت أن مواقع مدنية، من بينها مرافق تعليمية وسكن جامعي وملاجئ للنازحين، تعرضت لهجمات أوقعت قتلى وجرحى.
مجازر متفرقة ومخاوف من تكرار سيناريو الفاشر
في 10 أكتوبر/تشرين الأول، أصدرت منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، بيانًا أشارت فيه إلى معلومات أولية تفيد بمقتل ما لا يقل عن 31 مدنيًا، معظمهم من النساء والأطفال، وإصابة عشرات آخرين، بعضهم إصابات خطيرة. كما لفت البيان إلى هجوم سابق على مأوى للنازحين في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال.
وتعكس هذه الحوادث نمطًا متكررًا من تعرّض المدنيين للخطر حتى في الأماكن التي يُفترض أن توفر لهم الحماية. كما حذرت الأمم المتحدة من استمرار الهجمات في أجزاء من ولاية النيل الأزرق، حيث أُجبرت آلاف العائلات على النزوح، وسط مخاطر متزايدة على حياة السكان وسبل عيشهم.
وتكمن خطورة هذه التطورات في أنها تأتي بعد الفظائع التي شهدتها مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، عندما سيطرت قوات الدعم السريع عليها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عقب حصار طويل. وفي تقرير صدر في فبراير/شباط 2026، قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إنها وثقت مقتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم النهائي، بينهم آلاف داخل المدينة وآخرون على طرق الفرار.
وفي يوليو/تموز 2026، خلص تحقيق أممي إلى أن ما ارتكبته قوات الدعم السريع في الفاشر من قتل جماعي واغتصاب واختطاف وتجويع قسري يرقى إلى الإبادة الجماعية. ويعني هذا التوصيف أن التحقيق لم يتعامل مع الوقائع باعتبارها مجرد تجاوزات فردية، بل باعتبارها أفعالًا ارتُكبت في سياق يستوفي المعايير القانونية لجريمة الإبادة الجماعية. وتظل المساءلة القانونية وتحديد المسؤولية الفردية من القضايا الأساسية التي تتطلب تحقيقات موثوقة.
كردفان: جبهة القتال الأكثر خطورة
تكتسب ولايات كردفان أهمية استراتيجية لأنها تقع بين مناطق نفوذ الطرفين، وتشكل طرقها ومراكزها الحضرية عقدًا مهمة للحركة والإمداد. وقد أدى استمرار القتال حول الأبيض، عاصمة شمال كردفان، إلى تعريض المدينة ومحيطها لضغوط عسكرية وإنسانية متزايدة.
وفي يوليو/تموز، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من خطر وقوع فظائع جديدة في المنطقة، موضحًا أن مكتبه وثق 15 هجومًا بالمسيّرات على الأبيض ومحيطها بين 6 و28 يونيو/حزيران، أسفرت عن مقتل 45 مدنيًا على الأقل وإصابة 41 آخرين. كما أشار إلى استهداف أسواق ومدارس ومحطات وقود ومرافق للمياه ومركبات مدنية.
ولا تتوقف آثار هذه الهجمات عند أعداد القتلى والجرحى؛ فتدمير البنية التحتية ونقص الوقود والمياه يعرقلان عمل المستشفيات ووسائل النقل، ويجعلان مغادرة مناطق القتال أكثر صعوبة. كذلك تحدثت الأمم المتحدة عن عمليات إعدام ميدانية واحتجاز تعسفي وخطف وعنف جنسي ونهب على طرق نزوح المدنيين في الإقليم.
وتثير هذه التطورات مخاوف من تكرار ما جرى في الفاشر، خصوصًا مع تحذيرات الأمم المتحدة السابقة من أن الحصار والهجمات المتواصلة قد يهيئان الظروف لوقوع انتهاكات واسعة النطاق. غير أن هذه المخاوف لا تعني أن تكرار السيناريو نفسه أمر محسوم، بل إن التحذير منها يستهدف منع وقوع مزيد من الجرائم.
النيل الأزرق ودارفور: الحرب تتجاوز خطوط المواجهة
في ولاية النيل الأزرق، تواصلت الهجمات خلال الأسابيع الأخيرة، ما تسبب في نزوح أعداد كبيرة من السكان. وتزداد خطورة الوضع حين تتزامن المواجهات مع ضعف الخدمات الأساسية وصعوبة وصول المنظمات الإنسانية، فتجد العائلات نفسها مضطرة إلى البحث عن مناطق أكثر أمانًا دون ضمان توافر الغذاء أو العلاج أو المأوى.
أما دارفور، فما زالت تعاني آثار الحصار والقتال والقتل الجماعي الذي شهدته مناطقها، إلى جانب النزوح الواسع وانهيار الخدمات. وقد أصبحت حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم من أكثر الملفات إلحاحًا، خصوصًا في ضوء التوثيق الأممي للانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها في الفاشر. وفي المقابل، وثقت الأمم المتحدة أيضًا انتهاكات وهجمات نفذتها أطراف أخرى في الحرب، بما فيها القوات المسلحة السودانية، ولا سيما الهجمات الجوية التي أوقعت ضحايا مدنيين.
وتشير هذه الوقائع إلى أن المدنيين لا يواجهون خطرًا واحدًا أو جبهة واحدة، بل يتعرضون لمخاطر متداخلة تشمل القصف والحصار والاعتقال والنزوح وانقطاع المساعدات، مع اختلاف طبيعة الانتهاكات والمسؤوليات من منطقة إلى أخرى.
الجوع يضاعف حصيلة الحرب
إلى جانب القتل والنزوح، تتفاقم أزمة الغذاء في السودان. ففي 12 أكتوبر/تشرين الأول، حذرت تقارير أممية استنادًا إلى نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي من تزايد خطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان، في ظل استمرار الحرب وتأثيرات الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو.
ويؤدي تعطيل الزراعة والأسواق وطرق النقل، إلى جانب الحصار ونقص الوقود وتراجع التمويل الإنساني، إلى تقليص قدرة السكان على الحصول على الغذاء. وعندما تتعرض المرافق الصحية والمياه لهجمات متكررة، يصبح سوء التغذية والأمراض أكثر تهديدًا لحياة الأطفال وكبار السن والنازحين.
كما أن نقص التمويل يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، في وقت تحتاج فيه ملايين الأسر إلى مساعدات عاجلة. وهكذا تتداخل آثار الحرب المباشرة مع الجوع والمرض، وتصبح النجاة بالنسبة إلى المدنيين مرتبطة بوقف القتال وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ومستدامة.