تحرك أمريكي جديد لتوحيد ليبيا.. واشنطن تجمع المسارين العسكري والسياسي لإنهاء الانقسام

كثفت الولايات المتحدة تحركاتها الدبلوماسية تجاه ليبيا، في محاولة لإحياء جهود توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع القائد العسكري في شرق ليبيا صدام حفتر  في العاصمة واشنطن، بحضور مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون العالمين العربي والإفريقي مسعد بولس.

ويُعد اللقاء أحدث مؤشر على عودة الانخراط الأمريكي المباشر في الملف الليبي، بعد سنوات اقتصرت خلالها واشنطن على دعم جهود الأمم المتحدة الرامية إلى تسوية الأزمة.

توحيد الجيش مدخل لإنهاء الانقسام

وأوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أن المباحثات تناولت سبل توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية في ليبيا، وتهيئة الظروف لتشكيل حكومة منتخبة ديمقراطيًا قادرة على إدارة البلاد.

وأكدت الوزارة أن الولايات المتحدة ستواصل قيادة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى دعم وحدة ليبيا وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات وطنية، فيما شدد روبيو على استمرار التعاون مع القيادات الليبية والشركاء الدوليين من أجل بناء “ليبيا أكثر سلامًا ووحدة وازدهارًا” على حد تعبيره.

اتصالات مع جميع الأطراف

ويأتي اللقاء ضمن تحرك أمريكي متوازن شمل مختلف أطراف الأزمة الليبية، إذ استقبلت واشنطن الأسبوع الماضي نائب وزير الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي، الذي أجرى مباحثات مع مسؤولين أمريكيين، بينهم مسعد بولس.

ويرى دبلوماسيون أن هذه اللقاءات تعكس محاولة أمريكية لبناء توافق بين الشرق والغرب، باعتبار أن إنهاء الانقسام العسكري يمثل شرطًا أساسيًا لأي تسوية سياسية مستدامة.

مبادرة أمريكية موازية لخطة الأمم المتحدة

ورغم عدم إعلان تفاصيل المبادرة الأمريكية رسميًا، فإن مسعد بولس أكد في تصريحات سابقة أنها تمثل مبادرة قصيرة المدى تستكمل خارطة الطريق التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

وأوضح أن الهدف الرئيس للمبادرة يتمثل في توحيد الليبيين، والأراضي، ومؤسسات الدولة، مع ضمان تمثيل متوازن لجميع المناطق والأطراف.

وتتحدث تسريبات سياسية منذ أشهر عن مقترح أمريكي يقضي بإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر دمج حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة مع الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، إلى جانب تشكيل مجلس رئاسي جديد تمهيدًا لإجراء انتخابات عامة، إلا أن واشنطن لم تؤكد هذه المعلومات رسميًا.

انقسام عسكري مستمر

ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تعاني ليبيا من انقسام عسكري بين القوات التابعة للمشير خليفة حفتر في شرق البلاد، والقوات الموالية لحكومة الوحدة الوطنية في الغرب، وهو ما انعكس على بقية مؤسسات الدولة وأضعف قدرتها على بسط سلطتها على كامل الأراضي الليبية.

ورغم نجاح اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وتحسين التنسيق الأمني، فإنها لم تحقق اختراقًا حقيقيًا في ملف توحيد المؤسسة العسكرية، بسبب استمرار الخلافات السياسية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية.

النفط والأمن في صلب الاهتمام الأمريكي

ولا تقتصر دوافع واشنطن على الجانب السياسي، إذ تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في إفريقيا، كما تمثل نقطة عبور رئيسية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا، ما يجعل استقرارها أولوية استراتيجية للولايات المتحدة وشركائها.

وفي هذا السياق، دعا مسعد بولس الشركات الأمريكية إلى توسيع استثماراتها في قطاع الطاقة الليبي، مشيرًا إلى أن شركات مثل ConocoPhillips وChevron وقعت اتفاقيات جديدة خلال العام الجاري، بينما تدرس ExxonMobil العودة إلى السوق الليبية.

وأضاف أن إنتاج ليبيا النفطي قد يرتفع إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية العقد الحالي إذا تحقق الاستقرار السياسي والأمني.

تحديات كبيرة أمام المبادرة

ورغم الزخم الدبلوماسي الحالي، يرى مراقبون أن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية يظل من أكثر الملفات تعقيدًا، في ظل انتشار التشكيلات المسلحة المحلية، وتعدد مراكز النفوذ، واستمرار التدخلات الخارجية.

كما أن أي اتفاق سياسي سيظل هشًا ما لم يُرفق بإصلاحات أمنية وعسكرية شاملة، في حين أن توحيد الجيش وحده لن يكون كافيًا إذا بقي الخلاف قائمًا حول شكل السلطة التنفيذية.

تعكس زيارة صدام حفتر إلى واشنطن انتقال المبادرة الأمريكية إلى مرحلة أكثر عملية، عبر فتح حوار مباشر مع أبرز القيادات العسكرية في شرق ليبيا، بالتوازي مع التواصل مع حكومة طرابلس. ويبدو أن واشنطن تراهن على الجمع بين المسارين العسكري والسياسي لإعادة توحيد مؤسسات الدولة، وتهيئة الطريق أمام انتخابات وطنية تُنهي أكثر من عقد من الانقسام.