ثماني تناقضات كشفت قمة الناتو في أنقرة وسط تصاعد الخلافات بين الحلفاء

كشفت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026، عن تباينات متزايدة داخل الحلف بشأن قضايا الإنفاق العسكري، والحرب في أوكرانيا، والتصعيد مع إيران، ومستقبل الدور الأمريكي في أوروبا، وفق تحليل نشرته الباحثة الأمريكية ميديا بنجامين.

ورغم وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجواء القمة بأنها اتسمت بـ”قدر كبير من المحبة”، فإن النقاشات التي رافقت الاجتماعات أظهرت خلافات عميقة حول أولويات الحلف واتجاهاته المستقبلية.

 

خلاف حول الإنفاق العسكري

برز ملف زيادة الإنفاق الدفاعي كأحد أبرز نقاط الخلاف، بعدما واصل ترامب الضغط على الدول الأعضاء للالتزام برفع الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، منتقدًا عدداً من الحلفاء لعدم وفائهم حتى بالنسبة السابقة البالغة 2%.

وكانت إسبانيا الهدف الأبرز لانتقادات واشنطن بعد رفضها الالتزام بالهدف الجديد، ما دفع ترامب إلى وصفها بأنها “شريك سيئ” داخل الحلف، ملوحًا بإجراءات تجارية ضدها.

 

 انقسام بشأن المواجهة مع إيران

وسلطت القمة الضوء أيضًا على تباين مواقف أعضاء الناتو تجاه التصعيد العسكري مع إيران.

فبينما أعلنت واشنطن انتهاء مذكرة التفاهم مع طهران بعد استئناف الضربات العسكرية، فضّلت عدة دول أوروبية، بينها إسبانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، مواصلة المسار الدبلوماسي، ورفضت المشاركة في العمليات العسكرية أو السماح باستخدام قواعدها في الهجمات على إيران.

ويرى التحليل أن هذا الموقف يعكس اختلافًا جوهريًا بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها بشأن دور الناتو، إذ تعتبر واشنطن أن على الحلف دعم عملياتها العسكرية، بينما يتمسك عدد من الدول الأوروبية بالطابع الدفاعي للحلف.

 

تراجع الدور الأمريكي في أوكرانيا

وفي الملف الأوكراني، غاب عن البيان الختامي للقمة التأكيد السابق على انضمام أوكرانيا مستقبلًا إلى الناتو، في خطوة اعتُبرت تنازلًا يتماشى مع موقف ترامب الرافض لتوسيع الحلف.

كما تعهدت دول الحلف بتقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا خلال عامي 2026 و2027، إلا أن العبء الأكبر بات يقع على الدول الأوروبية وكندا، في ظل توجه أمريكي نحو تقليص مساهمتها العسكرية والمالية.

 

جدل حول الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا

وأثار الحديث عن احتمال خفض الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا جدلًا واسعًا داخل الحلف، بعدما تداولت تقارير نية الإدارة الأمريكية تقليص عدد القوات المنتشرة في القارة.

وفي حين ترى حكومات أوروبية أن استمرار الوجود الأمريكي يشكل عنصرًا أساسيًا في أمن القارة، تتزايد داخل الولايات المتحدة الأصوات المطالبة بإعادة الجنود إلى الداخل وتقليل الالتزامات الخارجية.

 

أزمة جديدة بسبب غرينلاند

وعادت قضية غرينلاند إلى الواجهة بعدما جدد ترامب تأكيد رغبته في أن تخضع الجزيرة للسيطرة الأمريكية، وهو ما رفضته الدنمارك بشكل قاطع، مؤكدة أن مستقبل الجزيرة يقرره سكانها والدولة الدنماركية وحدهما.

واعتبر التحليل أن هذا الخلاف أظهر تناقضًا داخل الحلف الذي يعلن دفاعه عن سيادة أعضائه، بينما يشكك أحد أبرز أعضائه في سيادة دولة حليفة.

 

انتقادات لملف الديمقراطية

وتوقفت الدراسة عند استضافة تركيا للقمة، مشيرة إلى أن انعقادها تزامن مع قيود فرضتها السلطات التركية على الاحتجاجات المناهضة للناتو، إضافة إلى اعتقالات طالت ناشطين وصحفيين.

ورأت الكاتبة أن ذلك يسلط الضوء على التناقض بين الخطاب الرسمي للحلف حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين ممارسات بعض الدول الأعضاء.

 

تساؤلات حول مستقبل الحلف

وأشارت الدراسة إلى أن القمة أعادت طرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل الناتو، خاصة مع مطالبة واشنطن الدول الأوروبية بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، بالتزامن مع استمرار اعتمادها على المظلة العسكرية الأمريكية.

كما لفتت إلى تنامي الأصوات المطالبة بإعادة النظر في دور الحلف، معتبرة أن الظروف الدولية الحالية تستدعي بناء منظومة أمنية تقوم على الحوار والدبلوماسية والحد من سباقات التسلح، بدلاً من التوسع في الإنفاق العسكري.

وختمت الباحثة بأن التناقضات التي ظهرت في قمة أنقرة تعكس تحديات متزايدة تواجه الحلف، سواء فيما يتعلق بتحديد أولوياته، أو الحفاظ على وحدة مواقفه في ظل اختلاف الرؤى بين الولايات المتحدة وعدد من شركائها الأوروبيين.