عقوبات البنك الدولي تكشف ثغرات المشتريات في الصومال.. ست شركات تحت المجهر

مخالفات شملت تضارب المصالح وتزوير الخبرات والتواطؤ في المناقصات، فيما تكشف القضايا عن تحديات أوسع تواجه إدارة أموال المانحين ومشاريع إعادة الإعمار في الصومال.

كشفت عقوبات فرضها البنك الدولي خلال السنوات الست الماضية عن ثغرات كبيرة في منظومة المشتريات المرتبطة بالمشاريع الممولة من المانحين في الصومال، بعدما أُدرجت ست شركات على قوائم الحظر بسبب ممارسات وصفها البنك بأنها احتيالية أو فاسدة.

وتراوحت المخالفات التي كشفتها التحقيقات بين مدفوعات غير منتظمة لمسؤولين حكوميين، وعدم الإفصاح عن تضارب المصالح، وتقديم معلومات غير صحيحة بشأن خبرات الشركات ومؤهلاتها، إضافة إلى التواطؤ بين متنافسين على العقود.

ولا تكمن أهمية هذه القضايا في العقوبات ذاتها فحسب، بل في كونها تكشف نقاط ضعف يمكن أن تسمح بمرور مخالفات خلال مراحل المناقصات والتعاقد، قبل أن تظهر لاحقًا أثناء عمليات التدقيق والتحقيق التي يجريها البنك الدولي.

أحدث العقوبات تطال شركة كينية

كانت أحدث الحالات شركة Webmasters Kenya، التي قرر البنك الدولي منعها من المشاركة في المشاريع التي يمولها لمدة لا تقل عن خمس سنوات، على خلفية مخالفات مرتبطة بعقود لإنشاء نظام موحد لتسجيل الشركات في الصومال.

وكانت العقود جزءًا من مشروعين يمولهما البنك الدولي، هما برنامج المؤسسات الاقتصادية الأساسية والفرص في الصومال SCORE، ومشروع تعزيز القدرات وسبل العيش وريادة الأعمال من خلال التحول الرقمي.

ووفق التقرير، تضمنت وثائق العطاءات التي قدمتها الشركة أسماء خبيرين زُعم أنهما ضمن فريقها. لكن التحقيق الذي أُجري عام 2022 خلص إلى أن الخبيرين لم يكونا على علم بإدراج اسميهما، ولم يسمحا باستخدام سيرتيهما الذاتيتين، ولم يشاركا في المشروع.

ورغم حصول الشركة على موافقة المسؤولين الصوماليين وتنفيذها للمشاريع، فإن قرار البنك الدولي يعكس مبدأ مهمًا في عقود التمويل الدولي: طريقة الحصول على العقد لا تقل أهمية عن طريقة تنفيذ المشروع نفسه.

تواطؤ وتزوير في مناقصات داخل الصومال

قبل قضية Webmasters Kenya، طالت العقوبات شركتين صوماليتين هما Hikma Construction and General Trading Company وArladi General Trading Company.

وكانت الشركتان من المتنافسين على عقد لبناء مدارس ضمن مشروع التمويل الخاص للتنمية المحلية في الصومال. ووفق نتائج التحقيق، تواطأت الشركتان في إعداد وتقديم العروض عام 2018، ما أدى في النهاية إلى فوز شركة Hikma بالعقد.

وفي نوفمبر 2020، قرر البنك الدولي حظر شركة Arladi والشركات التابعة لها من المشاريع التي يمولها لمدة لا تقل عن سبع سنوات، بعد ثبوت تقديمها معلومات مزورة بشأن خبرتها، من خلال إدراج مشاريع ضمن سجلها السابق لم تنفذها.

وفي أبريل 2021، فُرض على شركة Hikma حظر لا يقل عن ست سنوات على المشاركة في مشاريع البنك الدولي.

تضارب المصالح يفتح ملف العلاقات بين الشركات والمسؤولين

وفي قضية أخرى، عوقبت مجموعة Africa Development Professional (ADP) بعد فوزها بعقد استشاري ممول من البنك الدولي في الصومال.

وكانت الشركة قد عملت سابقًا مع الحكومة الكينية، ثم حصلت على عقد ضمن مشروع يهدف إلى تعزيز القدرات البشرية والمؤسسية في عدد من الوزارات والهيئات الصومالية.

لكن البنك الدولي خلص إلى أن الشركة لم تفصح عن علاقة مع مسؤول حكومي صومالي كان من شأنها أن تشكل تضاربًا في المصالح أثناء تقديم العرض.

وفرض البنك حظرًا لمدة 21 شهرًا، مع الأخذ في الاعتبار تعاون الشركة مع التحقيق، وفق التقرير.

مناقصات الموانئ تكشف مخالفات أخرى

ولم تقتصر الحالات على الشركات المحلية والإقليمية، إذ طالت العقوبات أيضًا شركة Africa Enablers GmbH السويسرية.

فقد شاركت الشركة عام 2017 مع شركتين ألمانيتين في مشروع لإعداد مخطط رئيسي لميناءي مقديشو وبوصاصو، ضمن برنامج SCORE.

لكن البنك الدولي قال إن الشركة قدمت معلومات مضللة بشأن خبرتها السابقة أثناء المنافسة على العقد.

وبموجب اتفاق تسوية، فُرض عليها حظر أولي لمدة عشرة أشهر، تلاه خمسة أشهر من عدم الحظر المشروط، بما سمح لها بالمشاركة في مشاريع البنك خلال الفترة المشروطة إذا التزمت بالمتطلبات المحددة في الاتفاق.

EY Kenya وقضية المعلومات السرية

وفي قضية أخرى مرتبطة بمشروع SCORE ومشروع تعزيز الإدارة المالية العامة، فرض البنك الدولي على EY Kenya حظرًا لمدة 30 شهرًا.

ووجد البنك، وفق التقرير، أن الشركة استعانت بمقاول فرعي بعد تدخل مسؤول حكومي صومالي زود الشركة بمعلومات سرية، كما أدرجت الشركة مخصصات لبدلات لمسؤولين حكوميين صوماليين، وهو ما اعتبره البنك مخالفًا لقواعده المتعلقة بممارسات الاحتيال والفساد.

وتوصلت الشركة إلى اتفاق تسوية مع البنك، وهو ما انعكس في تخفيف العقوبة مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه في غياب التسوية.

المشكلة أوسع من ست شركات

تكشف هذه القضايا عن مشكلة تتجاوز أسماء الشركات التي عوقبت، إذ سبق لجهات مانحة وهيئات رقابية دولية أن حذرت من نقاط ضعف مؤسسية في الصومال.

ويشير تقرير نقلته الصحيفة إلى أن مكتب الأمم المتحدة لخدمات الرقابة الداخلية كان قد أنشأ عام 2014 وحدة لإدارة المخاطر مرتبطة بمشاريع الصومال، قبل أن تكشف تحقيقاته عن أدلة على وجود احتيال في مشاريع ممولة من الأمم المتحدة.

كما أشار تقييم للبنك الدولي عام 2022 إلى أن بيئة الإدارة المالية والمشتريات في الصومال تواجه تحديات، وأن مخاطر الاحتيال والفساد مرتفعة، خصوصًا مع حجم أعمال الإنشاءات التي تنفذها المشاريع.

ويضع البنك الدولي قواعد إلزامية للمشتريات في المشاريع التي يمولها، تشمل السلع والأعمال والخدمات غير الاستشارية والاستشارات، كما يحتفظ بنظام رسمي للعقوبات وقائمة بالشركات والأفراد غير المؤهلين للمشاركة في مشاريعه بسبب ممارسات محظورة.

أموال الإعمار واختبار المؤسسات

تأتي هذه العقوبات في وقت يعتمد فيه الصومال على تدفقات كبيرة من التمويل الدولي لدعم إعادة الإعمار وبناء المؤسسات وتعزيز الاقتصاد والخدمات العامة.

لكن تدفق الأموال لا يعني بالضرورة نجاح المشاريع إذا كانت أنظمة المشتريات والرقابة غير قادرة على منع التلاعب منذ البداية.

وتشير القضايا التي كشفتها تحقيقات البنك الدولي إلى أن المخاطر يمكن أن تظهر في مراحل متعددة: من إعداد وثائق المناقصات واختيار الشركات، إلى الإفصاح عن العلاقات والمصالح، وصولًا إلى تنفيذ العقود.

وهنا تتحول العقوبات من مجرد إجراءات ضد شركات بعينها إلى اختبار للمؤسسات الصومالية نفسها: فكل حالة احتيال يتم اكتشافها بعد إبرام العقد تطرح سؤالًا حول مدى فعالية آليات التدقيق والشفافية والرقابة التي كان يفترض أن تمنع المخالفة قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بحماية أموال البنك الدولي أو المانحين، وإنما بقدرة المؤسسات الصومالية على ضمان أن تذهب الأموال المخصصة للتنمية إلى المشاريع والأهداف التي رُصدت من أجلها، وأن تكون المنافسة على العقود قائمة على الكفاءة والشفافية لا على العلاقات أو المعلومات غير المعلنة.