قمة الناتو في أنقرة.. بين دعم أوكرانيا وضغوط ترامب وإعادة ترتيب أولويات الحلف

تنعقد قمة  حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية   أنقرة وسط مرحلة حساسة تشهد توترات متزايدة داخل الحلف نفسه، مع تصاعد الخلافات حول الحرب في أوكرانيا، ومستقبل الالتزامات العسكرية الأمريكية تجاه أوروبا، إضافة إلى تداعيات الأزمات الدولية التي أعادت طرح أسئلة حول دور الحلف وطبيعة علاقته بواشنطن.

وتأتي القمة في وقت يحاول فيه قادة الناتو الحفاظ على وحدة التحالف، بينما تتزايد الضغوط من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي طالبت مرارًا بزيادة مساهمة الدول الأوروبية في الدفاع المشترك، وانتقدت ما تعتبره اعتمادًا أوروبيًا كبيرًا على القدرات العسكرية الأمريكية.

 

أوكرانيا في الظل.. محاولة لتجنب صدام جديد مع ترامب

كان الملف الأوكراني من أبرز القضايا التي طغت على التحضيرات للقمة، إلا أن تقارير تحدثت عن توجه داخل الحلف لتقليص النقاشات العلنية حول أوكرانيا، وعدم منح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مساحة كبيرة خلال الاجتماعات، في محاولة لتجنب إثارة غضب الرئيس الأمريكي.

وبحسب تقارير إعلامية، فإن بعض الدول الأعضاء تخشى أن يؤدي التركيز الكبير على أوكرانيا إلى زيادة التوتر مع واشنطن، خصوصًا في ظل الخلافات الأخيرة بين ترامب وعدد من العواصم الأوروبية حول ملفات الأمن الدولي وتقاسم الأعباء داخل الحلف.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه كييف ضغوطًا عسكرية متزايدة، حيث حذر زيلينسكي من حاجة بلاده الملحة إلى أنظمة دفاع جوي إضافية، مؤكدًا أن نقص الصواريخ الاعتراضية يحد من قدرة القوات الأوكرانية على مواجهة الهجمات الروسية.

وطالب الرئيس الأوكراني بأن تخرج قمة أنقرة بقرارات قوية لدعم الدفاعات الجوية لبلاده، معتبرًا أن تعزيز هذه القدرات يمثل عاملًا أساسيًا لحماية المدنيين والبنية التحتية.

 

امب والناتو.. خلافات حول دور الولايات المتحدة

تنعقد القمة في ظل توتر متزايد بين الرئيس الأمريكي وحلفائه الأوروبيين، بعد انتقادات وجهها ترامب لطريقة إدارة الحلف، وتلويحه أكثر من مرة بإمكانية إعادة النظر في مستوى الالتزام الأمريكي تجاه الناتو إذا لم تتحمل الدول الأوروبية مسؤوليات أكبر.

وتصاعدت الخلافات بعد مواقف أمريكية منفردة في عدد من الأزمات الدولية، حيث اتهمت دول أوروبية واشنطن بعدم التنسيق الكافي معها في بعض القرارات العسكرية الكبرى.

ويرى مراقبون أن هذه الخلافات تعكس تحولًا أعمق في العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، إذ لم يعد السؤال فقط حول حجم الإنفاق الدفاعي، بل حول طبيعة القيادة داخل التحالف ومستقبل الدور الأمريكي في أمن القارة الأوروبية.

 

تركيا تستضيف القمة.. موقع استراتيجي في قلب التحديات

اختيار أنقرة لاستضافة القمة يحمل أهمية سياسية وعسكرية، فتركيا تعد ثاني أكبر جيش داخل الناتو، وتحتل موقعًا جغرافيًا حساسًا بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.

كما تلعب تركيا دورًا مهمًا في ملفات إقليمية متعددة، من أمن البحر الأسود إلى العلاقات مع روسيا وأوكرانيا، وهو ما يجعلها طرفًا مؤثرًا في حسابات الحلف.

وتحاول أنقرة منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية الحفاظ على توازن دقيق بين عضويتها في الناتو وعلاقاتها مع موسكو، حيث شاركت في جهود الوساطة بين الطرفين، رغم استمرار الخلافات حول عدد من الملفات الأمنية.

 

مستقبل الدعم لأوكرانيا.. انقسام داخل الحلف

رغم استمرار تأكيد عدد من الدول الأوروبية دعمها لكييف، فإن المواقف داخل الناتو لم تعد متطابقة كما كانت في بداية الحرب.

فبعض الدول ترى أن استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا ضروري لمنع روسيا من تحقيق مكاسب استراتيجية، بينما يرى تيار آخر أن الحرب وصلت إلى مرحلة تتطلب البحث عن مسار سياسي يقلل من الأعباء العسكرية والاقتصادية.

كما ظهرت مؤشرات على تراجع الحماس لدى بعض الدول، بعد سنوات من تقديم المساعدات العسكرية والمالية لكييف، خاصة مع ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط الاقتصادية الداخلية.

 

قرارات الدفاع والإنفاق العسكري في صدارة القمة

إلى جانب الملف الأوكراني، يركز الحلف على تعزيز قدراته العسكرية ورفع مستوى الإنفاق الدفاعي، في ظل التحولات الأمنية العالمية.

وتسعى دول الناتو إلى إظهار قدرتها على مواجهة التهديدات المتزايدة، سواء من روسيا أو من أزمات أخرى، مع التأكيد على ضرورة تطوير الصناعات الدفاعية وزيادة الجاهزية العسكرية.

لكن الخلاف الأساسي يبقى حول من يتحمل تكلفة هذا التوسع العسكري؛ إذ تطالب واشنطن الأوروبيين بإنفاق أكبر، بينما تخشى بعض العواصم الأوروبية من أن يؤدي ذلك إلى سباق تسلح طويل الأمد على حساب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.

 

قمة أنقرة.. اختبار لوحدة الحلف

تأتي قمة الناتو في أنقرة في لحظة مفصلية، فالحلف لا يواجه فقط تحديات خارجية، بل يواجه أيضًا أسئلة داخلية حول مستقبل العلاقة بين ضفتي الأطلسي.

وبينما تحاول الدول الأوروبية الحفاظ على دعم أوكرانيا، تسعى إدارة ترامب إلى إعادة تعريف دور الولايات المتحدة داخل التحالف وفق رؤية تركز على تقاسم الأعباء وتقليص الالتزامات غير المشروطة.

وفي النهاية، قد لا تكون القضية الأهم في قمة أنقرة هي القرارات المعلنة فقط، بل ما ستكشفه من اتجاهات جديدة داخل الناتو: هل يبقى الحلف قائمًا على القيادة الأمريكية التقليدية، أم يتجه نحو مرحلة جديدة تتقاسم فيها أوروبا مسؤولية أمنها بشكل أكبر؟