مقال رأي: الدم والنيل والجوع: حكاية انهيار إثيوبيا المتوقع!
في أوائل شهر نوفمبر عام 2020، شنّت القوات الإثيوبية هجومًا رسميًا على إقليم تيغراي في شمال إثيوبيا. ومنذ ذلك اليوم، اندلعت حربٌ أهلية في الإقليم الشمالي تيغراي، حيث قُتل أكثر من 500,000 شخص في مرحلتها الأولى فقط.
في السنوات الأخيرة، تشهد أقاليم تيغراي وأمهرا وأورومو تمرّداتٍ مسلّحة سال فيها الكثير من الدماء. فالجبهات الثورية تستولي على أراضٍ جديدة وتحصل على دعمٍ قومي قوي. ومن ناحية أخرى، توجد داخل إثيوبيا قوات إريترية لا تستطيع حكومة أديس أبابا اتخاذ أي إجراء ضدها. هذه القوات تقاتل بشكل مباشر إلى جانب جبهات الأمهرا والتيغراي التي تحارب حكومة آبي أحمد، في وقتٍ تزداد فيه سوءًا العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة.
الانهيار المتوقع للمملكة الإثيوبية هو نتيجة كبيرة للمظالم التاريخية التي تحملها الأغلبية الصامتة في ذلك البلد. يعيش في إثيوبيا أكثر من 132 مليون شخص يتحدثون أكثر من80 لغة، هؤلاء الناس يختلفون في اللغة والدين والثقافة والتاريخ والهوية. هذا الاختلاف أدى إلى ارتكاب مظالم واسعة من قِبل أولئك الذين حكموا البلاد. فالقومية الأمهرية التي حكمت إثيوبيا لأطول فترة في تاريخها ارتكبت انتهاكاتٍ خطيرة ضد الشعوب الأخرى التي سيطرت عليها بالقوة.
تم تحويل ديانة كثير من الناس. وأُخذت أراضي آخرين وتم تغيير أسمائهم. وبعضهم حتى أُجبروا على تغيير أسمائهم الشخصية وأنسابهم القومية. على سبيل المثال، كانت مدينة أديس أبابا أرضًا يملكها شعب الأورومو. وكان اسمها الأصلي فينفينيه (Finfinne)، وهو اسم أصيل من أسماء الأورومو.
استولى عليها الملوك الحبشيون (الأمهريون) ثم غيّروا اسمها إلى اسمٍ حبشي. والقيادات الأمهريّة التي ارتكبت تلك الانتهاكات تملك اليوم تماثيل كبيرة في العاصمة أديس أبابا، وقد تم الاعتراف بهم على أنهم “أبطال وطنيون”. أما الشعوب التي تم استعمارها والتي بُنيت التماثيل فوق دمائها، فهي اليوم تعيش مرحلةً تؤمن فيها بأنها قادرة على تصحيح المظالم التي ارتُكبت ضدها، والتخلص من الاستعمار الطويل الذي كانت خاضعةً له.
ومن جهةٍ أخرى، ازداد الوعي الديني لدى المسلمين في داخل إثيوبيا بشكلٍ واضح. ففي السنوات الأخيرة، ظهرت أصوات مختلفة من داخل البلاد تدعو المسلمين إلى الاتحاد من أجل التخلص من الاستعمار المسيحي الذي عاشوا تحته طويلًا. وقد لاقت هذه الأصوات قبولًا بين الشباب المسلمين والمغتربين المسلمين الإثيوبيين والشعب المسلم الذي تعرّض طويلًا للقمع، بينما واجهتها قوات الحكومة والكنائس القوية بالضغط والقتل والسجن والتضييق. ومن الممكن أن يصل هذا الوضع إلى درجةٍ لا يستطيع فيها حكّام أديس أبابا السيطرة عليه.
وفي نهاية شهر مايو عام 2024، انضمت حكومة كينيا إلى ما تسميه الولايات المتحدة “حليفًا رئيسيًا من خارج الناتو”. وهي صفة تمنحها الولايات المتحدة لـ ـ19 دولة من بينها أستراليا وإسرائيل وقطر والبرازيل. جاءت هذه الخطوة أثناء الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الكيني ويليام روتو إلى الولايات المتحدة. ويُعتبر روتو أول زعيم إفريقي يتلقى دعوة رسمية من البيت الأبيض منذ ستة عشر عامًا. وصادف هذا اللقاء الذكرى الستين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وكينيا.
في الآونة الأخيرة، أصبحت روسيا والصين تملكان نفوذًا قويًا متزايدًا في الدول الإفريقية، في حين ضعف نفوذ الولايات المتحدة في القارة. وأصبحت الصين اليوم الدولة الأكبر في العلاقات التجارية والاستثمارية مع دول إفريقيا.
ويعتقد المحللون أن الولايات المتحدة تريد أن تجعل من كينيا حليفها الإقليمي الأهم في منطقة القرن الإفريقي، بعد الحروب والاضطرابات السياسية التي أضعفت إثيوبيا، التي كانت في السابق أهم حليفٍ أمريكي في المنطقة. وهذا يعني أن الولايات المتحدة قد فقدت الأمل في أديس أبابا.
إضافة إلى ذلك، فإن الزعيم الإثيوبي آبي أحمد قد اتجه نحو دول الشرق، خاصة روسيا والصين. وهذا قد يكون سببًا في أن تتجه الولايات المتحدة نحو كينيا، في وقتٍ وصل فيه الصراع الصيني الأمريكي في إفريقيا إلى مستوى عالٍ. ومن ناحية أخرى، فإن الانفصال الدبلوماسي بين واشنطن وأديس أبابا قد أدخل بقاء الدولة الإثيوبية نفسها في ظلامٍ كبير.
مستوى الفقر في إثيوبيا مرتفعٌ جدًا، والحياة تزداد ضيقًا يومًا بعد يوم. وقد امتلأت مخيمات اللاجئين في العالم، وخاصة في الدول المجاورة، بالإثيوبيين الفارين من الجوع، بينما مات الآلاف في البحار الدولية على متن قواربٍ بدائية. إن الزيادة السكانية السريعة، وغياب السواحل البحرية، والعزلة الجغرافية، واستمرار الحروب الطويلة متعددة الوجوه، والحكم القاسي الفردي المستبد الذي تناوب على السلطة لفترات طويلة، جعلت من هذا البلد “موطن الجوع في العالم”.
في الفترات الأخيرة، اندلعت احتجاجاتٍ تُسمّى “مظاهرات الخبز” في الأقاليم والمناطق المختلفة من البلاد، وقد واجهتها الحكومة بالقوة، في وقتٍ تزداد فيه الحاجة والمعاناة. ومن المتوقع أن يتحوّل هذا الشعب الجائع إلى وقودٍ للحروب الأهلية المشتعلة وإلى عاملٍ يسرّع الانهيار الحتمي للدولة الإثيوبية.
كما أن الوضع المعقد لبقاء الدولة الحبشية سيتفاقم بتدخلاتٍ خارجية محتملة في المستقبل القريب من السودان في قضية منطقة الفشقة، ومن مصر في قضية نهر النيل، ومن إريتريا في قضية الحدود المشتركة، ومن الصوماليين في القرن الإفريقي في قضية البحر الأحمر.
وكما تُظهر لنا دروس التاريخ، وكما توقّع الباحثون مرارًا وتكرارًا، فقد حان الوقت لتقسيم إثيوبيا، وستسير إثيوبيا في الطريق نفسه الذي سلكته يوغوسلافيا في نهاية القرن الماضي.
إن هذه الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يُتوقّع أن تُسرّع من “انفصال المكوّن الحبشي”. ولذلك، فقد حان الوقت لكي يستعدّ الصوماليون الأصليون لتقسيم الأراضي الكبرى لإثيوبيا.
بقلم الكاتب: نغيي علي خليف
أكتوبر 2025