اتفاق غزة: هدنة مؤقتة على ركام حرب طويلة وتوجسات من الغدر
بعد أكثر من عامين من حربٍ طاحنة دمّرت البنية التحتية في قطاع غزة وخلّفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، توصّلت الأطراف المتحاربة إلى اتفاق هدنة مؤقتة بوساطة أمريكية ومصرية، في خطوةٍ تُعدّ محاولة لإيقاف نزيف الدم وفتح الطريق أمام مفاوضاتٍ أوسع نحو تسوية دائمة.
الاتفاق، الذي أعلنته مصادر دبلوماسية في مطلع أكتوبر 2025، وُصف بأنه “وقف مؤقت لإطلاق النار على ركام حرب طويلة”، وأنه لا يمثل نهاية الصراع بقدر ما يُجسّد استراحة حرجة لإعادة ترتيب الأوراق السياسية والإنسانية في المنطقة.
خلفية الحرب
دخلت الحرب في غزة عامها الثاني وسط انهيار شبه تام للبنية التحتية ونزوح أكثر من مليوني فلسطيني، فيما واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية البرية والجوية ضدّ فصائل المقاومة.
ترافقت الحرب مع أزمة إنسانية غير مسبوقة، دفعت الأمم المتحدة لوصف غزة بأنها “منطقة غير صالحة للحياة”.
مع تصاعد الضغوط الدولية، بدأت الولايات المتحدة ومصر في رعاية مفاوضاتٍ مكثفة بين حماس وإسرائيل، بمشاركة أطراف عربية ودولية، أدت إلى التوصل إلى صيغة اتفاق مؤقت لوقف النار.
أبرز بنود الاتفاق
الاتفاق الأمريكي المقترح تضمن أكثر من عشرين بندًا، ركزت على ثلاث مراحل رئيسية:
وقف إطلاق النار الفوري:
يشمل تجميد العمليات العسكرية الإسرائيلية ووقف القصف الجوي، مقابل التزام حماس بوقف الهجمات الصاروخية.
تبادل الأسرى والرهائن:
ينصّ الاتفاق على إفراج متبادل، بحيث تُطلق إسرائيل سراح مئات الأسرى الفلسطينيين مقابل إطلاق جميع الرهائن الأحياء وتسليم الرفات.
انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية:
تتراجع القوات إلى خطوط محددة داخل القطاع خلال الأسابيع الأولى، على أن يتم الانسحاب الكامل لاحقًا بعد تطبيق بقية البنود الأمنية.
تشكيل إدارة مؤقتة لغزة:
تُدار غزة عبر لجنة فلسطينية من تكنوقراط مستقلين بإشراف “مجلس سلام دولي” يضم شخصيات سياسية، من بينها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وتوني بلير.
المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار:
يبدأ تدفق المساعدات فورًا، بإشراف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، لإزالة الأنقاض وإعادة تشغيل المرافق الصحية والكهرباء والمياه.
موقف الأطراف
رحبت حماس بالاتفاق من حيث المبدأ، معتبرةً أنه “خطوة نحو وقف العدوان”، لكنها رفضت شرط نزع السلاح الكامل وطلبت ضماناتٍ دولية للانسحاب الإسرائيلي الكامل.
الاحتلال الإسرائيلي وافق مبدئيًا على وقف العمليات، لكنه أصر على مراقبة دولية صارمة وضمان “نزع قدرات حماس العسكرية”.
الولايات المتحدة وصفت الاتفاق بأنه “اختبار للجدّية”، فيما شدّدت مصر على أن “التهدئة المؤقتة لا بد أن تُتبع بخطة سياسية شاملة تضمن استقرار القطاع”.
التحديات التي تواجه التنفيذ
غياب جدول زمني واضح لتنفيذ البنود الحساسة مثل الانسحاب ونزع السلاح.
صعوبة مراقبة الالتزام في ظلّ غياب قوة مراقبة فعّالة داخل غزة.
الرفض الداخلي في كيان الاحتلال لأي تنازل ميداني، خصوصًا من التيارات اليمينية.
التعقيد السياسي داخل حماس حول مستقبل السلاح ودورها في الحكم.
الوضع الإنساني الحرج الذي يجعل من أي تأخير في إدخال المساعدات سببًا في انهيار الاتفاق.
يُعتبر اتفاق غزة هدنة هشّة أكثر من كونه اتفاق سلام دائم.
فالطرفان وقّعا تحت ضغط الواقع الميداني والإنساني، لا عن قناعةٍ سياسيةٍ نهائية. ومع ذلك، يُمثّل الاتفاق أول مؤشّر حقيقي منذ بدء الحرب على إمكانية تحريك الجمود الدبلوماسي.
المرحلة المقبلة ستُظهر ما إذا كان هذا الاتفاق مقدمةً لتسوية أوسع تشمل الضفة الغربية والعلاقات الإسرائيلية – الفلسطينية، أم أنه مجرد “استراحة مقاتلين” قبل جولة جديدة من التصعيد.
رغم هشاشة الاتفاق وتعقيدات تطبيقه، فإنّه أعاد الأمل إلى سكان غزة الذين أنهكتهم الحرب، وفتح نافذة صغيرة في جدارٍ طويل من الانسداد السياسي.
التهدئة المؤقتة، مهما بدت محدودة، قد تكون الشرارة الأولى نحو تغيير معادلة الصراع في المنطقة إذا ما أحسن استثمارها سياسيًا وإنسانيًا.