المجاعة تطرق أبواب غزة.. الجوع يزداد مع تقلص المساعدات واستمرار القيود الإسرائيلية
تتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة بشكل خطير مع تزايد معدلات الجوع وتراجع المساعدات الغذائية، وسط استمرار القيود الإسرائيلية على دخول الإمدادات وتصاعد المعاناة اليومية لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين باتوا يواجهون خطر المجاعة وانهيار مقومات الحياة الأساسية.
وفي الوقت الذي تحذر فيه منظمات دولية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، يعيش سكان غزة أوضاعًا مأساوية مع تقلص برامج الإغاثة وارتفاع أعداد الأسر التي تعتمد كليًا على المساعدات الغذائية للبقاء على قيد الحياة.
“أطفالنا ينامون جائعين”
في أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، تجلس مجدلين عزت، وهي أم لأربعة أطفال، أمام قدر طبخ فارغ داخل فصل دراسي تحول إلى مأوى للنازحين، محاولة إخفاء خوفها من الأيام القادمة.
تقول مجدلين إن عائلتها باتت تعيش على الخبز والشاي لأيام متواصلة بعد تراجع توزيع الوجبات المجانية.
وأضافت: “الأطفال يطلبون الفاكهة واللحم، لكن هذه الأشياء أصبحت حلمًا… الجميع خائف من الغد”.
وتعكس معاناة مجدلين واقع آلاف العائلات في غزة، حيث أصبح الحصول على وجبة واحدة يوميًا تحديًا يوميًا في ظل انهيار الإمدادات الغذائية وتراجع نشاط المؤسسات الإنسانية.
تقليص برامج الإغاثة
ومن أبرز أسباب تفاقم الأزمة تقليص منظمة “وورلد سنترال كيتشن” لعملياتها داخل القطاع، وهي إحدى أكبر الجهات التي كانت توفر وجبات ساخنة للنازحين.
وأرجعت المنظمة قرارها إلى نقص الإمدادات الغذائية والوقود، إضافة إلى القيود المفروضة على دخول المساعدات والمخاطر الأمنية المتزايدة.
وكانت المنظمة تقدم مئات الآلاف من الوجبات يوميًا في مختلف مناطق غزة، ما جعل تقليص نشاطها يترك فراغًا كبيرًا في شبكة المساعدات الإنسانية.
ويقول سكان إن العديد من المطابخ المجانية بدأت تتوقف عن العمل تدريجيًا بسبب نفاد التمويل ونقص المواد الغذائية الأساسية.
تحذيرات أممية من المجاعة
وتحذر وكالات الأمم المتحدة، بما فيها برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف، من أن نحو 1.6 مليون شخص في غزة يواجهون خطر المجاعة المباشر.
ووفق أحدث بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، فإن نحو 77% من سكان القطاع يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
كما انخفضت كميات المساعدات التي دخلت غزة بنسبة 37% مقارنة بالفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار أواخر عام 2025.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى دخول أكثر من 167 ألف طن من المساعدات خلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد الهدنة، قبل أن تتراجع إلى أقل من 105 آلاف طن بين يناير وأبريل من العام الجاري.
في الوقت نفسه، لم يتم تأمين سوى 10% فقط من التمويل الإنساني المطلوب لدعم العمليات الإغاثية داخل القطاع.
القيود الإسرائيلية تزيد الأزمة
وتتهم منظمات إنسانية الاحتلال الإسرائيلي بمواصلة فرض قيود مشددة على دخول الغذاء والوقود والمواد الطبية إلى غزة حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.
ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن الإجراءات على المعابر أدت إلى بطء شديد في تدفق المساعدات، ما تسبب في نقص متكرر للطحين والزيت والمواد الغذائية الأساسية داخل الأسواق.
كما تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلية تنفيذ هجمات داخل القطاع، حيث أعلنت السلطات الصحية الفلسطينية أن ما لا يقل عن 880 فلسطينيًا قُتلوا منذ بدء سريان وقف إطلاق النار الهش.
انهيار شامل لمقومات الحياة
ولا تقتصر الأزمة على الغذاء فقط، إذ يشهد قطاع غزة انهيارًا متسارعًا في مختلف الخدمات الأساسية.
ويقول محللون إن السكان يواجهون “انهيارًا مركبًا” يشمل الغذاء والمياه والكهرباء والرعاية الصحية والسكن في آن واحد.
وأوضح محللون أن ما يحدث في غزة “لم يعد مجرد أزمة جوع، بل انهيار كامل لنظام الحياة”.
كما أن شبكات المياه بالكاد تعمل، والكهرباء شبه معدومة لساعات طويلة، فيما تعاني المستشفيات من ضغط هائل ونقص خطير في الموارد.
العائلات بلا خيارات
في دير البلح وسط القطاع، يقف سامر أبو وردة لساعات طويلة أمام مراكز توزيع الطعام على أمل الحصول على وجبة واحدة لعائلته المكونة من سبعة أفراد.
ويقول: “الناس يتدافعون لأن الطعام لا يكفي الجميع، وكثيرًا ما نعود بلا شيء”.
وأضاف أن العائلات التي تعتمد بالكامل على المساعدات لم يعد لديها أي بدائل، خاصة مع توقف بعض المطابخ المجانية وتقليص البرامج الإنسانية.
ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة بهذا الشكل ينذر بكارثة إنسانية أوسع، خصوصًا مع غياب حلول سياسية قريبة واستمرار القيود المفروضة على القطاع.
مستقبل مجهول لسكان غزة
ومع استمرار الحرب والنزوح وتراجع الدعم الدولي، يعيش سكان غزة حالة من القلق والخوف من انهيار أكبر في الأوضاع المعيشية خلال الأشهر المقبلة.
وتؤكد منظمات الإغاثة أن أي تأخير إضافي في إدخال المساعدات أو تمويل البرامج الإنسانية سيؤدي إلى تفشي المجاعة على نطاق أوسع، خاصة بين الأطفال والمرضى وكبار السن.
وفي ظل هذه الظروف، يبقى السؤال الأكبر: إلى متى يستطيع سكان غزة الصمود في مواجهة الجوع والحرب والانهيار الكامل للحياة اليومية؟