تحليل: أنقرة تعيد رسم مستقبل سوريا عبر بوابة الأمن وإعادة الإعمار
يرى الباحث كورنياوان عارف مسبول أن تركيا باتت تلعب دورًا محوريًا في صياغة المرحلة الجديدة في سوريا، مستفيدة من تقاطع المصالح بينها وبين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) ودول الخليج، بما يجعل أنقرة مركزًا رئيسيًا لإدارة ملفات إعادة الإعمار والعودة الطوعية للاجئين وإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في البلاد.
وفي تحليل نشره موقع ميدل إيست مونيتور، يذهب الكاتب إلى أن التحولات الأخيرة لا تقتصر على التقارب الدبلوماسي، بل تمثل بداية لنموذج جديد في إدارة الدولة السورية، يقوم على دمج الملفات الأمنية والاقتصادية والإنسانية ضمن إطار تعاون تقوده تركيا بالشراكة مع قوى غربية وإقليمية.
قمة أنقرة ونقطة التحول
ويعتبر الكاتب أن اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026 شكّل محطة مفصلية في مسار العلاقات الدولية مع سوريا، لافتًا إلى أن ترامب أشاد بالدور التركي في تسهيل التواصل مع القيادة السورية الجديدة، واعتبر أن أنقرة أصبحت الوسيط الأبرز بين دمشق والعواصم الغربية.
ويرى التحليل أن هذا التطور يعكس انتقال تركيا من دور الوسيط الإقليمي إلى شريك رئيسي في رسم ترتيبات ما بعد الحرب.
إعادة الإعمار مقابل الاستقرار
وبحسب الكاتب، فإن الإطار الذي يجري العمل عليه يتضمن رفعًا تدريجيًا للعقوبات مقابل تحقيق تقدم في الملفات الأمنية، إلى جانب تنظيم عودة اللاجئين، وتسوية نزاعات الملكية العقارية، وإعادة دمج الفصائل المسلحة، بالتوازي مع تدفق استثمارات خليجية مخصصة لإعادة إعمار البنية التحتية.
ويشير إلى أن تقديرات البنك الدولي تضع تكلفة إعادة إعمار سوريا عند نحو 216 مليار دولار، في وقت يعيش فيه أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، بينما لا تزال خطط التمويل الإنسانية الدولية تعاني من نقص كبير، الأمر الذي يجعل الاستثمارات الخارجية عاملاً حاسمًا في أي عملية تعافٍ اقتصادي.
دور تركي يتجاوز الوساطة
ويرى الكاتب أن أنقرة لم تعد تكتفي بدور الوسيط السياسي، بل أصبحت محورًا لإدارة ملفات معقدة تشمل عودة اللاجئين، وإعادة تنظيم المؤسسات، والتنسيق الأمني، مستفيدة من علاقاتها مع كل من الدول الغربية والحكومة السورية الجديدة.
كما يعتبر أن هذا الدور يمنح تركيا قدرة على التوفيق بين المطالب الغربية المتعلقة بالإصلاحات والاستقرار، وبين الخصوصية السياسية والاجتماعية داخل سوريا، وهو ما يفسر تنامي مكانتها في ترتيبات المرحلة المقبلة.
نموذج جديد للسيادة
ويطرح التحليل فكرة أن سوريا قد تدخل مرحلة جديدة من “السيادة المشتركة”، حيث تتوزع بعض وظائف الدولة بين مؤسسات سورية وشركاء خارجيين في مجالات الأمن وإعادة الإعمار والتمويل والحوكمة.
ويرى الكاتب أن هذا النموذج قد يساعد على تسريع عملية التعافي بعد سنوات الحرب، لكنه في المقابل يثير تساؤلات حول مدى استقلال القرار الوطني، وإمكانية تحول الاعتماد على الشركاء الخارجيين إلى واقع دائم.
انعكاسات إقليمية
ويخلص الكاتب إلى أن التجربة السورية قد تتحول إلى نموذج يُطبق في دول أخرى تعاني من النزاعات، مثل ليبيا واليمن وبعض دول منطقة الساحل الأفريقي، إذا اعتُبر هذا الأسلوب ناجحًا في الجمع بين إعادة الإعمار والاستقرار الأمني.
ومع ذلك، يؤكد أن نجاح هذا النموذج سيظل مرهونًا بقدرته على نقل إدارة الدولة تدريجيًا إلى المؤسسات السورية، بحيث تبقى الشراكات الخارجية مؤقتة ومحددة بمرحلة إعادة البناء، لا بديلاً دائماً عن السيادة الوطنية.
ويختتم الكاتب تحليله بالتأكيد على أن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط بوقف القتال أو إعادة الإعمار، وإنما بمدى قدرة السوريين على استعادة مؤسساتهم وإدارة شؤونهم بصورة مستقلة، محذرًا من أن أي ترتيبات لا تنتهي بسيادة كاملة قد تُبقي البلاد في حالة انتقالية طويلة الأمد.