جدل في الكونغرس الأمريكي حول مشروع دمج عسكري مع الاحتلال الإسرائيلي .. انتقادات وتحذيرات من المساس بالسيادة الأمريكية

شهد الولايات المتحدة جدلًا سياسيًا وقانونيًا متصاعدًا على خلفية مشروع قانون الدفاع الوطني الأمريكي لعام 2027 (NDAA)، بعد اعتراضات أثارها مسؤولون وسياسيون سابقون على بند يقترح توسيع التكامل العسكري والاستراتيجي بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، معتبرين أنه يمثل تحولًا غير مسبوق في طبيعة العلاقات الدفاعية بين البلدين.

وفي مقال تحليلي، حذر عضو الكونغرس الأمريكي السابق دينيس كوسينيتش من أن المادة 219 في مشروع القانون قد تؤدي إلى دمج مؤسسي طويل الأمد بين المؤسستين العسكريتين الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما وصفه بأنه سابقة لم يشهدها التشريع الأمريكي مع أي دولة أجنبية.

ما الذي تنص عليه المادة 219؟

بحسب كوسينيتش، فإن المادة 219 لا تقتصر على استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية للاحتلال الإسرائيلي، التي تبلغ نحو أربعة مليارات دولار، بل تؤسس لتعاون مؤسسي دائم يشمل:

  • التخطيط العسكري المشترك.
  • تبادل المعلومات الاستخباراتية.
  • تطوير أنظمة التسليح.
  • برامج البحث والتطوير الدفاعي.
  • التعاون في تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكرية.
  • تنسيق الاستراتيجيات الأمنية طويلة المدى.

ويرى مراقبون أن هذه الصيغة تجعل تل أبيب شريكًا دائمًا في بعض عمليات التخطيط الاستراتيجي الأمريكية، وهو ما يعتبره تجاوزًا لنمط التعاون العسكري التقليدي بين الحلفاء.

مخاوف من تراجع السيادة الأمريكية

ويحذر كوسينيتش من أن هذا النوع من التكامل قد يجعل قرارات الولايات المتحدة المتعلقة بالحرب والسلم والأمن القومي أكثر ارتباطًا بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

ويؤكد أن الأموال المخصصة لتل أبيب يمكن تعديلها أو إيقافها مستقبلاً، أما بناء مؤسسات مشتركة وآليات تعاون دائمة، فيصعب التراجع عنها بعد إقرارها.

ويرى أن هذا التطور يتعارض مع مبدأ “أمريكا أولًا”، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون للدستور الأمريكي والمصالح الداخلية قبل أي التزامات خارجية.

انتقادات للإنفاق العسكري

ويحتج المنتقدون بحجم الإنفاق الدفاعي الأمريكي، حيث أن الولايات المتحدة تقترب من دين عام يبلغ نحو 40 تريليون دولار، بينما يتجه الإنفاق العسكري السنوي إلى نحو 1.5 تريليون دولار وفق مشروع الموازنة.

ويقول كوسينيتش إن زيادة الإنفاق العسكري تأتي في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية واجتماعية، من بينها ارتفاع معدلات الفقر، وأزمات الإسكان، وتراجع برامج الدعم الغذائي.

وأضاف أن أكثر من 42 مليون أمريكي يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء، في حين تتجه موارد ضخمة إلى قطاع الدفاع والصناعات العسكرية.

انتقادات حادة للاحتلال الإسرائيلي

وتعرضت العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان، لانتقادات حادة بالاستناد إلى تقارير صادرة عن جهات دولية، من بينها لجان تحقيق تابعة للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية.

حيث وثقت تلك التقارير مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، بينهم أطفال وعاملون في القطاع الصحي وصحفيون، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية المدنية، بما يشمل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء.

كما تشمل اتهامات باستخدام التجويع كسلاح خلال الحرب، واستخدام أسلحة مثيرة للجدل، مثل الفوسفور الأبيض، وهي اتهامات نفت تل أبيب مرارًا ارتكاب مخالفات ممنهجة للقانون الدولي رغم توثيقها.

المحكمة الجنائية الدولية

ولفت كوسينيتش إلى أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامي نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يواف غالانت، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ترفضها الحكومة الإسرائيلية.

كما أشار إلى تقارير إعلامية تحدثت عن مساعٍ لاستصدار مذكرات توقيف بحق وزير المالية الإسرائيلي بيزاليل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتامار بن غفير.

الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية

وتذهب المخاوف إلى التحذير من أن يؤدي الدمج المقترح إلى توسيع استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية واعتماد خوارزميات في اتخاذ قرارات الاستهداف.

كما حذر المنتقدون من أن تتحول بعض تقنيات المراقبة والسيطرة الأمنية المستخدمة في مناطق النزاعات إلى الداخل الأمريكي، معتبرًا أن ذلك قد ينعكس على الحريات المدنية وحرية التعبير.

تحذير من توسع الصراعات

ويرى كوسينيتش أن تعميق التكامل العسكري مع تل أبيب قد يزيد احتمالات انخراط الولايات المتحدة في صراعات إقليمية مستقبلية، مشيرًا إلى أن تلأبيب تدعو منذ سنوات إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا تجاه إيران.

وهو ما يعيد للذاكرة جلسة استماع عقدها الكونغرس قبل حرب العراق عام 2003، سأل خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن رؤيته للمنطقة، فتحدث آنذاك عن ضرورة استهداف العراق ثم ليبيا وإيران.

دعوة لإلغاء المادة

ودعا كوسينيتش أعضاء الكونغرس إلى دعم تعديل تقدم به النائبان توماس ماسي ورو خانا لإلغاء المادة 219 من مشروع قانون الدفاع.

واعتبر أن الحفاظ على استقلال القرار العسكري الأمريكي واحترام الدستور يقتضيان رفض أي تشريع يؤدي إلى دمج مؤسسات الأمن والدفاع الأمريكية مع مؤسسات دولة أخرى، مؤكدًا أن الكونغرس مطالب بحسم هذا الجدل قبل التصويت النهائي على مشروع القانون.

ومع كل هذا النقد الواقعي، يبدو أن اللوبي الصهيوني متغلغل بعمق في دوائر صناعة القرار الأمريكي مما يرجح استمرار مشروع الدمج.