من هرجيسا إلى تل أبيب.. تسارع غير مسبوق في العلاقات يثير التساؤلات حول مستقبل النفوذ الإسرائيلي في شمال الصومال

ما الذي تعرفه عن المستوى الذي بلغته العلاقات المتنامية بين تل أبيب وهرجيسا؟ وما طبيعة التطورات المتسارعة التي شهدها هذا المسار خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل مساعٍ إسرائيلية متزايدة لتعزيز حضورها ونفوذها داخل المناطق الخاضعة لإدارة صوماليلاند؟

خلال الأسابيع الماضية، شهدت المناطق التي تديرها سلطات صوماليلاند تحركات مكثفة لوفود إسرائيلية، حيث زارت مدنًا عدة من بينها هرجيسا وبربرة، في مشهد لافت عكس حجم النشاط المتزايد الذي تشهده العلاقات بين الجانبين.

كما أولت وسائل الإعلام المحلية والدولية اهتمامًا واسعًا خلال الفترة الأخيرة للتقارب المتنامي والعلاقات الآخذة في التوسع بين إدارة صوماليلاند وإسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وقبل نحو أسبوعين، نظمت سلطات صوماليلاند احتفالًا بمناسبة مرور خمسة وثلاثين عامًا على إعلان انفصالها عن بقية الصومال، وهو الإعلان الذي يعود إلى الثامن عشر من مايو عام 1991.

وهذه المناسبة التي تُقام مرة واحدة سنويًا، شهدت هذا العام حضور وفود غلب عليها الطابع اليهودي، قدمت من الأراضي الفلسطينية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ومن بريطانيا، إلى جانب مشاركين آخرين من عدد من دول العالم.

ومن بين الشخصيات التي شاركت في الفعاليات الصحفي والكاتب البريطاني جيك واليس سيمونز، المعروف بمواقفه الداعمة لإسرائيل، والذي يُعد من أبرز الأصوات الإعلامية الغربية المؤيدة لها.

ويشغل سيمونز منصب رئيس تحرير صحيفة «ذا جويش كرونيكل» الصادرة في لندن، وهي صحيفة يهودية معروفة، وقد نشر خلال فترة وجوده في هرجيسا رسائل عدة عبر منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي عبّر فيها عن دعمه للعلاقات بين إسرائيل وإدارة صوماليلاند.

وخلال الأيام التي أمضاها في المناطق الخاضعة لإدارة صوماليلاند، أجرى الصحفي البريطاني جولات ميدانية شملت عددًا من المواقع، من بينها المقابر التابعة للحقبة الاستعمارية داخل مدينة هرجيسا.

وفي مقطع مصور نشره من تلك المقابر، أوضح أن الجنود المدفونين فيها كانوا من القوات البريطانية الاستعمارية، وأنهم لقوا مصرعهم خلال ما يُعرف في الأدبيات الغربية بالحرب العالمية الثانية.

كما أعرب عن إعجابه بما وصفه بالمستوى العالي من العناية والاهتمام الذي تحظى به تلك المقابر، مشيرًا إلى أن اسم كل جندي وبعض المعلومات المختصرة عنه منقوشة على شاهد قبره، وهو ما ظهر بوضوح في التسجيل المصور الذي نشره.

ولم يكتفِ بذلك، بل استعرض أسماء وهويات عدد من الجنود المدفونين هناك، مستشهدًا بمثالين قال إن أحدهما كان مسيحيًا، بينما كان الآخر يهوديًا.

وبالعودة إلى المناسبة التي استضافتها سلطات صوماليلاند وشارك فيها عدد من الضيوف اليهود، فقد ألقى رئيس الإدارة عبد الرحمن محمد عبد الله «عِرّو» كلمة لافتة خلال الاحتفال الذي أقيم في الثامن عشر من مايو 2026، وُصفت بأنها حملت رسائل غير مسبوقة في سياق العلاقات الخارجية للإدارة.

وخلال الفعاليات التي أُقيمت في هرجيسا، قام عدد من الحاخامات اليهود الذين كانوا ضمن الوفود الزائرة بتقديم هدية لرئيس إدارة صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله «عِرّو.«

وبحسب ما أوردته صحيفة «التلغراف» البريطانية، فإن وفدًا إسرائيليًا سلّم الرئيس عِرّو، في اليوم نفسه الذي أُقيمت فيه المناسبة، أجزاءً من منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية المعروفة باسم «القبة الحديدية» (Iron Dome).

كما كشفت الصحيفة أن خمسين عنصرًا من القوات الخاصة التابعة لإدارة صوماليلاند عادوا مؤخرًا إلى مدينة هرجيسا بعد إكمال دورة تدريبية عسكرية تلقوها في مدينة تل أبيب.

وفي تطور آخر، جرت مراسم استقبال ممثل صوماليلاند وتسلمه أوراق اعتماده الدبلوماسية في مقر الرئيس الإسرائيلي بمدينة القدس، عاصمة فلسطين الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

وخلال اللقاء، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ: »يشرفنا كثيرًا أن نستقبل أول سفير لجمهورية صوماليلاند لدى إسرائيل. وأعتقد أن هذه فرصة استثنائية لتعزيز الحوار مع الدول الإسلامية ذات الأهمية الكبيرة في المنطقة. أنتم تواجهون تحديات عديدة، ونحن هنا لدعمكم ومساندتكم في مختلف الجوانب الحيوية والمهمة«.

ووصف هرتسوغ هذه الخطوة بأنها تمثل بداية مرحلة جديدة من التعاون والشراكة بين الجانبين.

من جهته، أكد ممثل صوماليلاند محمد حاجي أن هذه الخطوة ستفتح آفاقًا واسعة للتعاون في مجالات التنمية والسياسة والأمن، وقال في جزء من كلمته: »شكرًا جزيلًا لكم، سيادة الرئيس. إنه لشرف عظيم أن أكون هنا اليوم. وأنا ممتن للغاية لهذا الاستقبال الحار. لقد كانت إسرائيل دائمًا حاضرة في قلوب وعقول الشعب والحكومة، وعلاقتنا علاقة خاصة لأنها لا تقتصر على الحكومات فحسب، بل تمتد إلى المستوى المجتمعي أيضًا. وعندما يزور السفير الإسرائيلي صوماليلاند، سيشاهد أعدادًا كبيرة من الأعلام الإسرائيلية يرفعها الناس، كما سيراها مرفوعة في الشوارع وحتى في المناطق الريفية«.

وبعد ساعات من اللقاء الذي عُقد في القدس، أعلن محمد حاجي أن إدارته تتجه رسميًا إلى افتتاح سفارة في مدينة القدس، في خطوة تعني اعتراف سلطات صوماليلاند بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وقال في منشور عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي: »يسرني أن أعلن أن سفارة جمهورية صوماليلاند ستكون في القدس، وسيتم افتتاحها في أقرب وقت ممكن، فيما ستقوم إسرائيل أيضًا بإنشاء سفارتها في هرجيسا«.

ورحب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بحرارة بالإعلان الصادر عن إدارة صوماليلاند بشأن عزمها افتتاح سفارة في مدينة القدس.

وقال ساعر: »أهنئ صديقي عبد الرحمن عِرّو على قراره المهم بإنشاء سفارة لصوماليلاند في القدس، التي تمثل عاصمتنا الرسمية«.

وأضاف أن سفارة صوماليلاند ستكون السفارة الثامنة التي تُفتتح في القدس، معتبرًا ذلك خطوة ذات دلالة خاصة، في ظل امتناع معظم دول العالم عن افتتاح بعثات دبلوماسية في المدينة، نظرًا لمكانتها السياسية والدينية وما يحيط بوضعها من جدل دولي واسع.

كما أكد ساعر أن حكومته وإدارة صوماليلاند ستعملان بصورة مشتركة على تنفيذ قرار افتتاح السفارة، معربًا عن أمله في استقبال الرئيس عبد الرحمن عِرّو في القدس خلال الفترة المقبلة.

من جانبه، ألمح الرئيس الإسرائيلي كذلك إلى رغبته في استقبال عِرّو في مقر الرئاسة، وفق ما نقلته صحيفة «جويش نيوز سينديكيت» الإسرائيلية.

وفي تقرير نشرته الصحيفة قبل نحو أسبوعين، أشارت إلى أن عبد الرحمن عِرّو يبدي اهتمامًا كبيرًا بالانضمام إلى «اتفاقيات أبراهام» التي أُطلقت خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بهدف توسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل وعدد من الأطراف في المنطقة.

وفي السياق ذاته، أعلن أحد أعضاء برلمان صوماليلاند المعروفين بتأييدهم للعلاقات مع إسرائيل دعمه الكامل لتل أبيب، مؤكدًا وقوفه إلى جانبها في مواجهة خصومها، ومعبّرًا عن مواقف أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الشعبية.

وفي المقابل، أبدت قطاعات واسعة من سكان مناطق شمال غرب الصومال رفضًا واضحًا للعلاقات المتنامية مع إسرائيل، كما عارضت بشدة مشروع افتتاح سفارة لصوماليلاند في مدينة القدس.

وبرز في مقدمة المعارضين عدد من العلماء والدعاة، من بينهم الشيخ محمد عبد الرحمن كارية والشيخ حسن خيري، اللذان أعلنا رفضهما القاطع لهذه الخطوة، مؤكدين أنه لا يمكن القبول بأي إجراء يُنظر إليه على أنه تنازل عن المسجد الأقصى أو مساس بمكانة القدس لدى المسلمين.

وقد أثارت هذه المواقف الرافضة ردود فعل غاضبة داخل حكومة عِرّو، لا سيما مع اتساع دائرة الانتقادات الصادرة عن علماء الدين وشرائح مختلفة من المجتمع، والتي عبّرت عن استيائها من تنامي العلاقات مع إسرائيل وما يرتبط بها من خطوات سياسية ودبلوماسية مثيرة للجدل.

وفي المقابل، صعّد وزير الداخلية في إدارة صوماليلاند عبد الله سندهير من لهجته تجاه المعارضين للعلاقات مع إسرائيل، إذ وصف كل من يقف ضد هذا التوجه بأنه يخدم أجندات خارجية، داعيًا الأجهزة الأمنية إلى اتخاذ إجراءات بحق من يعارض أو ينتقد السياسات التي تنتهجها الإدارة في هذا الملف.

ومع ذلك، تشير المعطيات المتداولة إلى أن مسار التقارب بين الجانبين يشهد تسارعًا ملحوظًا. ففي مقابلة تلفزيونية حديثة، تحدث الصحفي والكاتب الإسرائيلي آفي يسسخاروف، المعروف بقربه من الأوساط الإعلامية الإسرائيلية، عن طبيعة العلاقة المتنامية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة وصوماليلاند، مؤكدًا أن لإسرائيل حضورًا ونشاطًا داخل المنطقة.

وفي حديثه لقناة «14» الإسرائيلية، قال يسسخاروف إن الموقع الجغرافي لصوماليلاند يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لإسرائيل، نظرًا لقربها من مضيق باب المندب ومن المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في جنوب غرب اليمن.

وأضاف: كما يظهر على الخريطة، فإن صوماليلاند كيان منفصل عن الصومال، وبين الطرفين توترات تتطور أحيانًا إلى مواجهات. وما يهمنا هو الموقع الجغرافي لصوماليلاند القريب من باب المندب ومن مناطق الحوثيين في اليمن.

وبحسب تقارير أجنبية، فإن سلاح الجو الإسرائيلي ينشط داخل صوماليلاند، بل إن له وجودًا شبه دائم هناك. أما الإمارات العربية المتحدة، وهي الطرف الثالث في هذه المعادلة، فقد أنشأت بنى تحتية ومنشآت عسكرية في مطارات وموانئ تقع داخل صوماليلاند.

ومن أبرز هذه المواقع مدينة بربرة المطلة على خليج عدن والقريبة من مضيق باب المندب، حيث جرى توسيع مدرجات الإقلاع والهبوط في المطار.

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء حظائر ومرافق محصنة تحت الأرض لحماية الطائرات من الصواريخ الباليستية أو أي هجمات محتملة.

ووفقًا للتقارير المتداولة، فإن إسرائيل تستفيد من هذه المنشآت، الأمر الذي يمنح قواتها قدرة أكبر على مراقبة التحركات في المنطقة وممارسة الضغط على الحوثيين، إذ لم تعد المسافة الفاصلة تقارب ألفي كيلومتر، بل أصبحت تتراوح بين 300 و350 كيلومترًا فقط.

وهذا يتيح تنفيذ عمليات جوية متواصلة دون الحاجة إلى رحلات طويلة أو طائرات للتزود بالوقود في الجو.

كما توفر المنشآت الموجودة في بربرة لكل من صوماليلاند والإمارات وإسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية مهمة مرتبطة بمراقبة مضيق باب المندب.

ويُعد هذا المضيق أحد أهم الممرات البحرية في العالم بعد مضيق هرمز، كما يمثل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية وحركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس».

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتحدث فيه تقارير متزايدة عن توسع الحضور الإسرائيلي داخل المناطق الخاضعة لإدارة صوماليلاند، بالتزامن مع مشاريع عسكرية يجري الحديث عنها في محيط مطار بربرة، وسط اهتمام متزايد من القوى الإقليمية والدولية بالموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به المنطقة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.