هل تستطيع إيران إعادة بناء ترسانتها العسكرية؟
لا يزال الحجم الكامل للأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية جراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية في عام 2026 غير واضح، لكن تقريراً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) يرى أن طهران ستتحرك سريعاً لإعادة بناء ترسانتها العسكرية ما لم يحدث تغيير في النظام.
وبحسب التقرير، فإن الأدلة المفتوحة، رغم أنها غير مكتملة، تشير إلى تراجع كبير في القدرات العسكرية الإيرانية خلال الصراع الأخير. وتؤكد صور الأقمار الصناعية التجارية خسارة إيران لمعظم أسطولها البحري التقليدي السطحي، إلى جانب أضرار إضافية لحقت بأهم أحواض بناء السفن والقواعد البحرية، التي أصبحت بعض مرافقها غير صالحة للعمل جزئياً بسبب غرق سفن داخل الأرصفة العسكرية.
كما أظهرت الصور أضراراً في مواقع إنتاج الأسلحة فوق الأرض ومنشآت الذخائر، في وقت تتباين فيه التقديرات بشأن حجم الاستنزاف الذي أصاب مخزون إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة بعد 6,770 عملية إطلاق حتى الأول من أبريل/نيسان. وتشير تقييمات حديثة للحكومة الأمريكية نقلتها صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” إلى أن طهران ما تزال تحتفظ بنحو 70% من مخزونها الصاروخي قبل الحرب، لكنها فقدت نحو 40% من ترسانتها من الطائرات المسيّرة.
ويرى التقرير أن أولوية إيران الأولى ستكون إزالة العوائق من الموانئ، لأن أي عملية لإعادة البناء ستظل متعثرة ما دامت المرافئ غير قادرة على العمل. ويؤكد أن عمليات الإنقاذ البحري لإزالة الهياكل الغارقة وإعادة فتح الممرات الملاحية ضرورية قبل الشروع في بقية مراحل التعافي العسكري.
كما ستسعى طهران إلى إصلاح وإعادة بناء منشآت تصنيع الأسلحة والذخائر، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لاستعادة الإنتاج العسكري على نطاق واسع. ولن يقتصر الأمر على أعمال البناء، بل سيشمل أيضاً استبدال المعدات الصناعية التي دُمرت أو تضررت خلال الضربات.
ويشير التقرير إلى أن الطائرات المسيّرة تمثل عنصراً محورياً في العقيدة العسكرية الإيرانية، وفي نهجها غير المتكافئ، وكذلك في منظومة صادراتها العسكرية، ما يجعل استعادة مخزونها والحفاظ عليه أولوية قصوى. ومع تضرر الأسطول التقليدي وأحواض بناء السفن، يُرجح أن تعتمد طهران أكثر على الزوارق الصغيرة التابعة للحرس الثوري، وعلى قدرات الهجوم السريع والمنصات البحرية غير المأهولة، باعتبارها أقل كلفة وأسرع في الإنتاج وأكثر ملاءمة لعمليات المضايقة والمنع التي قد تلجأ إليها في المدى القريب.
وتتطلب عملية إزالة الأضرار من الموانئ معدات متخصصة، من بينها الوسائد الهوائية البحرية المغلقة، والمضخات الهيدروليكية الغاطسة عالية القدرة، والرافعات الجسرية الثقيلة، وهي أدوات ضرورية لإعادة تشغيل البنية البحرية المتضررة.
أما على صعيد الطائرات المسيّرة، فإن تعويض الخسائر يتطلب استمرار تدفق المكونات الحيوية المستوردة. وتشير وثائق مسربة من زيارة وفد روسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 إلى أن إيران كانت قادرة آنذاك على إنتاج نحو 5,000 محرك و500 هيكل طائرة سنوياً لطائرات “شاهد-136”. لكن الحفاظ على هذا المستوى أو توسيعه يتطلب إمدادات ثابتة من الإلكترونيات والمحركات، إلى جانب إعادة بناء القدرات الصناعية المحلية التي تضررت خلال الحرب.
وبحسب التقرير، فإن مسارات الشراء الإيرانية تتغير بفعل الصراع، ومن المرجح أن تطور طهران قنوات توريد أكثر عبر الدول المطلة على بحر قزوين. ورغم أن المواد والمكونات والمعدات الصينية قد تكون كافية لتلبية معظم احتياجاتها، فإن إيران ستواصل على الأرجح محاولاتها للحصول على تقنيات غربية متقدمة بشكل غير قانوني، مثل وحدات التحكم الألمانية واليابانية الخاصة بأدوات التشغيل الآلي.
ويضيف التقرير أن الضغوط الدبلوماسية على الصين قد تدفع أيضاً إلى مزيد من إخفاء مسارات التجارة، بحيث تمر البضائع عبر عدة محطات بين الصين وإيران، ما يصعّب تحديد مصادر الإمداد، لكنه في المقابل يبطئ عمليات الشراء ويرفع كلفتها.
وفي المحصلة، يرى التقرير أن إيران تواجه مهمة معقدة لإعادة بناء ترسانتها العسكرية، تبدأ من الموانئ والأحواض البحرية، وتمر بإعادة تشغيل مصانع السلاح والذخائر، وتنتهي بإعادة تأمين سلاسل الإمداد الدولية التي ستحدد سرعة تعافيها العسكري في المرحلة المقبلة.