تصريحات توم باراك تكشف الستار عن عمق الصراع وعلاقته بحدود سايكس بيكو
في خضم التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، أثار المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا، توم باراك، موجة من الجدل بتصريحاته التي تبدو وكأنها إعادة تشكيل للرؤية التي يتبناها كثيرون حول الهوية والدولة. حين قال: “لا يوجد شرق أوسط، بل توجد قبائل وقرى”.
“تم إنشاء الدول القومية من قبل البريطانيين والفرنسيين في عام 1916. لكن الشرق الأوسط لا يعمل بهذه الطريقة”.
“يبدأ الأمر بالفرد، ثم العائلة، ثم القرية، ثم القبيلة، فالمجتمع، فالدين. وأخيرًا، الأمة.”
هذه التصريحات ليست مجرد كلام عابر؛ بل أسهمت في إشعال نقاشات واسعة حول طبيعة الدولة، الهوية القُبَلية، والفِعل السياسي في المنطقة.
توم باراك هو مستثمر أمريكي مقرب من دونالد ترامب، عُيّن في مايو 2025 سفيرًا للولايات المتحدة في تركيا، ثم تولى أيضًا دور المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا.
هذا التعيين يضعه في مركز حساس بين السياسة الأمريكية والتوازنات الإقليمية.
تحدث باراك بهذه العبارات أثناء مقابلة إعلامية عُرضت عبر عدة منابر، وتم تداولها في الصحافة العربية والغربية.
إلى جانب ذلك، أطلق تصريحات أخرى متعلقة بموضوعات الشرق الأوسط، التحالفات، إسرائيل، والدور الأمريكي، والتي توفّر خلفية لفهم توجهه الاستراتيجي.
تصريح باراك يستهدف فك الرمز الجغرافي والسياسي للمنطقة. حيث يقترح باراك أن الهوية الجغرافية “الشرق الأوسط” هي اختراع مؤسسي بريطاني/فرنسي وليس إطارًا طبيعيًا تنبني عليه العلاقات.
هذا الطرح يضع التركيز على البنى القبلية والمجتمعية كركائز فعلية أقوى من الدولة.
ويعيد باراك للواجهة الاستعانة باتفاق سايكس-بيكو الذي قُدّم عام 1916 كرمز لانطلاق شكل الدول المعاصر في المنطقة. هذا الاستخدام ليس جديدًا؛ كثير من كتاب السياسة في المنطقة يشيرون إلى أن الحدود التي جُرّدت من البنى الثقافية والقبلية تُشكّل جزءًا من مشكلات الاستقرار السياسي.
لكن ما يثير الجدل هو اختزاله الطريق الطويل الذي شهدته المنطقة (من التاريخ العثماني، إلى تسليم الاحتلال الحكم لحكومات وظيفية، إلى الصراعات الداخلية) في لحظة تأسيس ما بعد الحرب العالمية الأولى.
يقترح باراك أن القاعدة الاجتماعية الحقيقية ليست الدولة، بل الكيانات الأصغر (الفرد، العائلة، القبيلة). الدولة تظهر آخرًا، كطبقة فوقية. بهذه الرؤية، الدول القومية غالبًا ما تكون هشّة إذا لم ترتبط بالهياكل القبلية أو الروابط المحلية.
إذا قبلت الدول أن هويتها تأتي بعد القبيلة، قد يُقلل هذا من النزعة الوطنية، ويقوّي النزعات الفئوية المحلية أو العشائرية، مما يشرّع لجهوية الصراع.
تسليط الضوء على عقدة سايكس-بيكو التي كانت محورية في خطابات الجهاديين المتمردين على الهيمنة الغربية يؤكد رسالة أئمة الجهاد الذين يصرون على ضرورة كسر هذه الحدود المصطنعة التي أثخنت تفريقا في الأمة.
مثل هذه التصريحات قد تعكس جزءًا من استراتيجية للولايات المتحدة: تأكيد أن السيطرة الحقيقية ليست عبر الدول الكبرى، بل عبر النفوذ بين القبائل والعائلات، مما يسهل التدخّل أو النفوذ المخفي.
هذه التصريحات تلقّت نقدًا في الصحافة العربية، حيث اعتبرها بعضهم إهانة لمفهوم الوحدة الوطنية، وتحويلًا لتقاليد المجتمع إلى أدوات سياسية.
تصريحات توم باراك تختزل عادة معارك الهوية والدولة في الشرق الأوسط إلى لعبة بنى اجتماعية صغيرة. هي ليست مجرد كلمات بل محاولة لإعادة رسم الخريطة المعنوية للسلطة.
لكن الرهان على أن القبيلة أو العشيرة وحدها تحمل كل الفاعلية قد يُغيب واقع أن الدول الحديثة أصبحت جزءًا حقيقيًا من المعادلة — لا يمكن تفكيكها بالقول.
ليست المرة الأولى!
سبق أن أثار توم باراك، جدلاً واسعًا بعد تصريحاته أخرى له، والتي اعتبر فيها أن “إسرائيل ترى أن الخطوط التي رسمتها معاهدة سايكس-بيكو بلا معنى اليوم”، مؤكدًا أن تل أبيب ستتصرف وفق ما تعتبره ضروريًا لحماية أمنها، حتى وإن كان ذلك يعني تجاوز الحدود الموروثة عن حقبة الاستعمار.
معاهدة سايكس-بيكو التي وُقعت عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا، شكلت نقطة فاصلة في تاريخ المنطقة، حيث قسمت أراضي الدولة العثمانية في المشرق العربي إلى مناطق نفوذ، وأرست الأساس لولادة كيانات قومية وحدود جديدة. ومنذ ذلك الوقت، ظلّت هذه الحدود موضع نقاش سياسي وثقافي، وأحيانًا عسكري.
تصريحات باراك، تعكس مقاربة إسرائيلية تعتبر أن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط تجاوزت تلك الخرائط التي رسمها الاحتلال قبل قرن. وبحسب قوله، فإن إسرائيل لن تلتزم بخطوط “فُرضت من الخارج” إن تعارضت مع أمنها، ما يفتح الباب أمام احتمالات إعادة رسم الحدود بحكم الأمر الواقع لا بالتوافق الدبلوماسي.
هذا الطرح يثير التشكيك في شرعية الحدود الوطنية: إذا كانت إسرائيل ترى أن تلك الحدود لا قيمة لها، فما الذي يمنع قوى أخرى من تبني المنطق ذاته؟
كما أن تجاوز الحدود قد يضاعف من توترات مع جيرانها، خاصة في ظل صراعات ممتدة في سوريا ولبنان وفلسطين.
عودة النقاش حول سايكس-بيكو يعيد حقيقتها كنقطة محورية تسببت في انقسام المنطقة وهشاشة كياناتها.
ليست هذه المرة الأولى أيضا التي يتحدث فيها باراك عن إرث سايكس-بيكو. ففي تصريحات سابقة، شدد على أن أخطاء القوى الاستعمارية “كلّفت المنطقة أجيالًا كاملة”، وأن إعادة إنتاج هذه الخرائط لن يكون مقبولًا. إلا أن حديثه عن إسرائيل يفتح زاوية جديدة، إذ يعكس تبني واشنطن – أو على الأقل بعض رموزها – لرؤية إسرائيلية ترى أن الأطماع التوسعية وتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى يسبق أي التزام بالجغرافيا السياسية التقليدية.
بين سايكس-بيكو 1916 وتصريحات باراك في 2025 يمتد أكثر من قرن من الزمن، لكنّ الخلاف حول الحدود ما زال قائمًا. إذا كانت إسرائيل تعتبرها “بلا معنى”، فإن المنطقة بأسرها يجب أن تعتبرها بلا معنى.