واشنطن تفرض قيودًا على قيادات في جبهة تيغراي وسط مخاوف من عودة الحرب إلى شمال إثيوبيا

دخلت الأزمة المتصاعدة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي مرحلة جديدة بعد إعلان الولايات المتحدة فرض قيود على منح التأشيرات لقيادات وصفتها بـ”المتشددة” داخل الجبهة وأفراد من عائلاتهم، متهمة إياهم بعرقلة الجهود الرامية إلى تسوية الأزمة في إقليم تيغراي ومنع عودة الصراع المسلح إلى شمال البلاد.

وجاء القرار الأمريكي في وقت تشهد فيه العلاقات بين أديس أبابا وميكيلي توترًا متزايدًا، وسط تحذيرات متكررة من مسؤولين إثيوبيين ودوليين بشأن احتمال انهيار اتفاق بريتوريا للسلام الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، والذي أنهى حربًا دامية استمرت عامين وأسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين.

من جانبها، رفضت جبهة تحرير شعب تيغراي الاتهامات الأمريكية، معتبرة أن واشنطن تتبنى مقاربة أحادية الجانب تتجاهل ما تصفه بفشل الحكومة الفيدرالية في تنفيذ البنود الأساسية لاتفاق بريتوريا. وقالت الجبهة إن الاتفاق نص على إعادة النازحين، واستعادة الخدمات الأساسية، وانسحاب القوات غير الفيدرالية من أراضي تيغراي، واستعادة الوضع القانوني والسياسي للجبهة، إلا أن معظم هذه الالتزامات ما تزال، بحسب قولها، دون تنفيذ.

وأشارت الجبهة إلى أن مئات الآلاف من سكان تيغراي ما زالوا نازحين، بينما تستمر الأزمة الإنسانية والاقتصادية في الإقليم، مع استمرار القيود على الخدمات المصرفية والوقود والمساعدات الإنسانية. كما انتقدت استبعاد تيغراي من الانتخابات الإثيوبية الأخيرة، معتبرة ذلك دليلًا على استمرار الخلافات السياسية العميقة بين الطرفين.

في المقابل، اتهم مسؤولون إثيوبيون بارزون، بينهم رضوان حسين ورئيس إدارة تيغراي السابق غيتاتشو رضا، ما وصفوه بـ”التيار المتشدد” داخل الجبهة بالتخلي عن مسار السلام والاستعداد لجولة جديدة من المواجهة العسكرية. وقال المسؤولان إن هذا التيار قام بإضعاف الإدارة الانتقالية في الإقليم وتوسيع عمليات التجنيد العسكري وتشكيل هياكل سلطة موازية، رغم وجود معارضة شعبية واسعة داخل تيغراي لأي عودة للحرب.

كما عادت إريتريا إلى واجهة الأزمة بعد اتهامات إثيوبية متكررة لها بدعم أطراف معارضة لمسار السلام وتشجيع حالة عدم الاستقرار في شمال إثيوبيا. وتأتي هذه الاتهامات في ظل تدهور العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة منذ توقيع اتفاق بريتوريا، رغم أنهما كانتا حليفتين خلال الحرب ضد جبهة تيغراي.

وتعكس التطورات الأخيرة هشاشة الوضع السياسي والأمني في الإقليم، خاصة بعد أن أقدمت جبهة تيغراي على إعادة تفعيل المجلس الإقليمي السابق وتعيين قيادة جديدة للإقليم، في خطوة اعتبرتها الحكومة الفيدرالية تحديًا للسلطات الانتقالية المعترف بها رسميًا. كما زادت التقارير عن ضربات بطائرات مسيرة وتحركات عسكرية في غرب تيغراي من المخاوف بشأن احتمال التحضير لتصعيد جديد.

ولا تقتصر التحديات الأمنية على تيغراي وحدها، إذ تواجه الحكومة الإثيوبية صراعات مسلحة أخرى في إقليمي أمهرة وأوروميا، حيث تواصل قوات “فانو” والجيش الإثيوبي الاشتباك في أمهرة، بينما ينشط جيش تحرير أورومو في عدة مناطق من أوروميا. ويرى مراقبون أن أي انفجار جديد في تيغراي قد يضع البلاد أمام أخطر أزمة أمنية منذ انتهاء الحرب الأخيرة.

وفي الوقت الذي تحاول فيه الوساطة الأفريقية بقيادة الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، تتزايد الشكوك حول فعالية الخطوات الأمريكية الأخيرة. فقد اعتبر السياسي المعارض البارز جوار محمد أن القيود الأمريكية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، محذرًا من أنها قد تدفع بعض قيادات الجبهة إلى الاعتقاد بأن الخيارات الدبلوماسية أصبحت مغلقة، ما قد يزيد من احتمالات المواجهة بدلًا من الحد منها.

ويرى محللون أن الأزمة الحالية تكشف عن الفجوة العميقة التي ما تزال قائمة بين أطراف اتفاق بريتوريا، وأن العقوبات والضغوط السياسية وحدها لن تكون كافية لمنع عودة الصراع ما لم تُستأنف جهود تنفيذ الاتفاق بصورة متوازنة وتشمل معالجة المخاوف الأمنية والسياسية لجميع الأطراف. وفي ظل تشابك الأزمات الداخلية والتوتر المتصاعد مع إريتريا، تبدو إثيوبيا أمام اختبار حاسم قد يحدد ما إذا كانت ستتمكن من الحفاظ على السلام الهش الذي تحقق بعد الحرب، أم أنها ستنزلق مجددًا إلى دائرة الصراع.