الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان: تمسك بالبقاء ورفض لعودة السكان وسط تصاعد التحذيرات الدولية

تشهد الساحة اللبنانية تطورات متسارعة مع إعلان القيادة الإسرائيلية تمسكها بالبقاء العسكري في جنوب لبنان، في موقف يثير مخاوف متزايدة من تحول الاحتلال المؤقت إلى واقع طويل الأمد، بالتزامن مع استمرار الضربات الجوية والبرية التي تحصد أرواح المدنيين وتفاقم حجم الدمار في القرى الحدودية.

وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الولايات المتحدة لم تطلب من إسرائيل سحب قواتها من الأراضي اللبنانية التي تسيطر عليها حالياً، معتبراً ذلك “إنجازاً دبلوماسياً”. وأضاف أن إسرائيل لن تنسحب من المنطقة حتى في حال تعرضها لضغوط أمريكية مستقبلاً، مشدداً على أن السكان اللبنانيين لن يُسمح لهم بالعودة إلى المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي.

وتعكس تصريحات كاتس تحولاً لافتاً في الخطاب الإسرائيلي، إذ لم يعد الحديث يقتصر على الاعتبارات الأمنية أو العمليات العسكرية ضد حزب الله، بل امتد ليشمل منع عودة المدنيين بشكل صريح. وبرر الوزير الإسرائيلي هذا التوجه بالقول إن وجود السكان في السابق أدى إلى تنفيذ هجمات ضد القوات الإسرائيلية، مؤكداً أن “الجنود سيبقون فيما سيخرج السكان”.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حكومته ستواصل الحفاظ على ما وصفها بـ”المنطقة الأمنية” في جنوب لبنان طالما بقي في السلطة، في إشارة واضحة إلى نية إسرائيل الإبقاء على وجود عسكري دائم أو شبه دائم في أجزاء من الأراضي اللبنانية الحدودية.

سقوط ضحايا مدنيين رغم الحديث عن وقف إطلاق النار

ورغم الحديث المتكرر عن استمرار وقف إطلاق النار بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، فإن الغارات والعمليات العسكرية لم تتوقف بشكل كامل. فقد أسفرت ضربات إسرائيلية جديدة عن مقتل ثلاثة أشخاص على الأقل، بينهم طفل، في مناطق جنوب لبنان.

وأفادت التقارير بأن طفلاً توفي متأثراً بجروح أصيب بها إثر استهداف سيارة في بلدة برعشيت، فيما قُتل شخصان آخران في غارة نفذتها طائرة مسيّرة إسرائيلية قرب كفررمان في محافظة النبطية. كما تواصل القصف المدفعي وإطلاق النار على مناطق مدنية مختلفة في الجنوب اللبناني.

وتأتي هذه العمليات في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية لاستمرار استهداف المناطق المدنية، خاصة مع تكرار سقوط ضحايا من غير المقاتلين رغم الإعلان عن ترتيبات تهدف إلى خفض التصعيد.

أكثر من 11 ألف مبنى دُمّر في الجنوب

وفي مؤشر على حجم الكارثة الإنسانية والعمرانية، كشفت دراسة مشتركة بين المجلس الوطني اللبناني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن أكثر من 11 ألف مبنى دُمّر بالكامل جنوب نهر الليطاني حتى نهاية أبريل الماضي.

ووفق الدراسة، فإن عمليات التدمير أدت إلى فقدان ما يقرب من 18 ألف وحدة سكنية بشكل كامل، بينما تعرضت عشرات الآلاف من الوحدات الأخرى لأضرار متفاوتة. كما قُدّرت الخسائر المباشرة للمباني وحدها بنحو 1.38 مليار دولار، دون احتساب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والجسور وشبكات الطاقة.

وتشير صور الأقمار الصناعية التي استندت إليها الدراسة إلى أن العديد من القرى الحدودية تعرضت لعمليات هدم واسعة النطاق، في حين يرجح أن تكون الخسائر الفعلية أكبر بكثير بسبب استمرار العمليات العسكرية خلال الشهرين الماضيين.

مخاوف من تغيير ديموغرافي دائم

تثير التصريحات الإسرائيلية بشأن منع عودة نحو 200 ألف من سكان الجنوب اللبناني مخاوف متزايدة من احتمال فرض واقع ديموغرافي جديد في المنطقة الحدودية. وكانت منظمات حقوقية دولية قد حذرت سابقاً من أن عمليات التهجير القسري ومنع السكان من العودة إلى منازلهم قد ترقى إلى انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة اللبنانية أن أي تسوية يجب أن تنتهي بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، تتحدث تقارير عن مقترحات أمريكية تقضي بتسليم بعض المناطق للجيش اللبناني مع الإبقاء على وجود إسرائيلي في أجزاء من الشريط الحدودي تحت مسمى “منطقة عازلة”.

ومع استمرار الاحتلال العسكري، واتساع رقعة الدمار، وتضاؤل فرص عودة عشرات الآلاف من المدنيين إلى قراهم، تبدو الأزمة في جنوب لبنان مرشحة لمزيد من التعقيد، وسط مخاوف من أن يتحول الوضع الراهن إلى واقع دائم يهدد الاستقرار في المنطقة بأسرها.