تقرير خطير: مؤسسة أمريكية تدعو واشنطن صراحةً إلى نهب ثروات الصومال واستثمار الحرب لفرض الهيمنة الاقتصادية والاستراتيجية
قدّم المجلس الأطلسي، وهو مؤسسة بحثية وتحليلية سياسية تتخذ من واشنطن مقرًا لها، تقريرًا خطيرًا يحضّ الولايات المتحدة الأمريكية على كيفية الاضطلاع بدور بارز في نهب ثروات الصومال.
وقالت هذه المؤسسة، التي تركز كذلك على قضايا الأمن والاقتصاد، إن الولايات المتحدة ظلت على مدى ثلاثين عامًا تخوض حربًا في الصومال ضد ما تسميه “الإرهاب”، مرجعةً ذلك إلى القوة المستعصية على الكسر، بل المتنامية باستمرار، لمجاهدي حركة الشباب، فضلًا عن الذكرى الثقيلة التي خلّفتها لدى الأمريكيين معركة مقديشو عام 1993، والتي قُتل فيها عدد كبير من جنودهم.
وبما أن هذه العقود الثلاثة لم تفلح في إخضاع المجاهدين، فإن التقرير يوجه نصيحة وتنبيهًا إلى الولايات المتحدة، داعيًا إياها إلى أن تحارب مجاهدي حركة الشباب بيد، وتنهب بيدها الأخرى الثروات المتراكمة في بلاد الصومال.
وصرّح التقرير، بوضوح لا مواربة فيه، بأن الصومال يمثل ثروة استراتيجية وجغرافية للقوى العالمية، مشيرًا إلى أن من أبرز عناصر أهميته موقعه على ممر باب المندب المائي، وهو البوابة الواقعة بين البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تعبر سفن التجارة العالمية.
واعترف التقرير بأن الحرب التي نهض بها المجاهدون دفاعًا عن الدين والشعب والبلاد، هي حرب اكتوت بها القوات الأجنبية وفي مقدمتها القوات الأمريكية ويئست من إنهائها، ولذلك أوصى الولايات المتحدة بأن تبدأ من الآن فصاعدًا، وبصورة مباشرة، في تركيز أعظم جهودها على جانب نهب ثروات الصومال.
وفي محاولة للتورية عن كلمة النهب واستبدالها بمصطلحات مثل الاستثمار وما شابه ذلك، قال المجلس الأطلسي: “في ظل هذه الظروف، يمكن أن تصبح الصومال واحدة من فرص الاستثمار المتوسطة والبعيدة المدى في إفريقيا… وهو ما قد يحقق مكاسب استراتيجية كبيرة إذا أدارت واشنطن الأمر على نحو صحيح.”
وأشار التقرير إلى أن دولًا أخرى أدركت بالفعل الأهمية الاستراتيجية والفرص الاقتصادية في الصومال، وبدأت، كما قال، في تعزيز حضورها واستثماراتها، ضاربًا مثالًا بحكومة تركيا، المعروفة بما تمارسه من نهب منفلت لثروات الصومال.
وقال التقرير في هذا السياق: “على سبيل المثال، ظلت تركيا لسنوات توسّع نفوذها في الصومال عبر التدريب العسكري، وتمويل الموانئ والمطارات، والتعاون البحري، كما بدأت مؤخرًا التنقيب عن الطاقة البحرية، وهو ما يبين كيف تحاول أنقرة الربط بين الأمن والدبلوماسية وطموحاتها التجارية.”
وحثّ المجلس الأطلسي الولايات المتحدة على أن تبدأ، إلى جانب حربها العسكرية والأمنية في الصومال، خطة مباشرة للاستفادة من ثروات الصومال، متدثرةً بلباس التجارة والاستثمار.
وقال المجلس الأطلسي: “على أي حال، ينبغي للولايات المتحدة أن تضع إطارًا استراتيجيًا واضحًا يربط أنشطتها الأمنية في الصومال بأهداف سياسية واقتصادية أخرى أوسع.”
وأضاف التقرير أن على الولايات المتحدة أن تمتلك هدفًا واضحًا يتجاوز محاربة ما يسمى الإرهاب، وأن تربط حربها في الصومال بأهداف سياسية واقتصادية واستراتيجية.
كما أوصى التقرير الولايات المتحدة بأن تضع يدها على الاستراتيجية البحرية للصومال؛ لأن الممرات البحرية التي يقع عليها الصومال، من خليج عدن إلى قناة السويس، تمر عبرها نسبة تتراوح بين 12 و15 في المائة من التجارة العالمية، ونحو 30 في المائة من سفن الحاويات في العالم.
وجاء في التقرير الذي أعده معهد المجلس الأطلسي: “ينبغي ألا يُنظر إلى التعاون الأمني مع الصومال باعتباره متعلقًا بالإرهاب وحده. وبدلًا من ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تدرجه ضمن استراتيجية أوسع للبحر الأحمر…”
وأشار التقرير إلى بعض ثروات الصومال، فقال: “يمتلك الصومال نفطًا وغازًا بحريين لم يُستكشفا بالكامل، ومعادن، وموانئ، وثروة سمكية، وممرات تربط التجارة العالمية، ومواقع سياحية.”
كما أوصت المؤسسة قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا، المعروفة باسم أفريكوم، بألا تنشغل بالصومال كله، بل أن تركّز على مناطق محددة، مثل المناطق ذات الأسواق الاقتصادية التي يمكن أن تتيح فرصًا استثمارية كبرى.
وبشكل خاص، أوصت المؤسسة قيادة أفريكوم، عند تنفيذ الخطط المباشرة لنهب ثروات الصومال، بأن تركز على المناطق التي تتقاطع فيها ثلاثة أمور: ما تسميه “خطر الإرهاب”، وشركاء محليون مستعدون للتعاون، وفرص اقتصادية.
وأشار التقرير تحديدًا إلى إدارات جوبالاند وبونتلاند وصوماليلاند، موصيًا بأن تعزز الولايات المتحدة هناك حربها ضد ما تسميه الإرهاب، وأمن السواحل والموانئ، وأن تدعم مستقبلًا إنشاء وحدات عسكرية شبيهة بميليشيات دناب التي تستخدمها لخدمة مصالحها.
وقال التقرير: “استثمروا حيث يلتقي الأمن والاقتصاد…”
وأضاف: “يعني ذلك مواصلة مكافحة حركة الشباب، وتوسيع الوعي البحري في بونتلاند وصوماليلاند، ثم النظر بعد مدة في إنشاء قوة شبيهة بقوات دناب، تعمل في الأماكن التي تلتقي فيها المصالح الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة.”
ورغم أن قضية صوماليلاند ما تزال مثار خلاف، وأن علاقات اليهود والإمارات في تلك المنطقة آخذة في التنامي، قال التقرير إن الولايات المتحدة تستطيع توسيع تعاونها التجاري والبحري والتقني مع صوماليلاند، مع الحذر في الجانب الآخر من أي زيادة في توتر المنطقة.
ويجادل التقرير بأن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تكتفي بالتعاون العسكري فقط، بل ينبغي لها كذلك أن تستخدم الدبلوماسية لمنع تحوّل الصومال إلى ساحة تتنافس فيها القوى الأجنبية الأخرى.
وشدد التقرير على أن دول تركيا، والإمارات، وقطر، ومصر، وإثيوبيا، والسعودية، والكيان الصهيوني، ودولة إيران، لكل واحدة منها مصالح خاصة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وبينما سبق لمحللين تناولوا هذه القضايا أن أشاروا إلى أن الولايات المتحدة شريكة في نهب الثروات الذي تمارسه تركيا في الصومال، فقد جاءت هذه المؤسسة في تقريرها لتوصي واشنطن بأن ترحب بأنقرة وتتعاون معها في مشاريعها التي تستنزف بها ثروات الصومال.
وقال التقرير إن عماد السياسة الأمريكية في الصومال، طوال أكثر من ثلاثين عامًا، كان محاربة الإرهاب، غير أنه بات واضحًا أنه لا تظهر أي علامات تدل على إمكانية هزيمة حركة الشباب المجاهدين، حتى لو غيّرت واشنطن تكتيكاتها الحربية.
ولذلك أوصى المجلس الأطلسي في ختام تقريره بأن تركز واشنطن قوتها على الجانب الاقتصادي ونهب ثروات الصومال، محذرًا من أنه إذا حصرت الولايات المتحدة هدفها في محاربة حركة الشباب، فإنها ستفقد فرصًا استراتيجية وتجارية مهمة.
إن هذا النداء الموجّه إلى واشنطن، والصادر عن هذه المؤسسة التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، يكشف حجم الفشل الذي منيت به أمريكا في غزوها للصومال، بعدما وقف المجاهدون في وجه أطماعها وصدّوا مخططاتها.