التباين في السياسة الأمريكية: صبر استراتيجي مع إيران الشيعية وحزم سريع مع الدول السنية

لطالما أثارت السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط تساؤلات عديدة حول معاييرها المزدوجة، لا سيما فيما يتعلق بالتعامل مع إيران والدول ذات الأغلبية السنية. فبينما تُظهر واشنطن صبرًا استراتيجيًا ملحوظًا تجاه استفزازات إيران الشيعية ومصادماتها المستمرة، تبدو أكثر حزمًا وسرعة في اتخاذ الإجراءات ضد دول سنية، كما حدث في العراق وليبيا. 
نحاول فيما يلي استكشاف الأسباب الكامنة وراء هذا التباين الظاهري، وتقديم قراءة معمقة للعوامل الجيوسياسية والاستراتيجية التي تشكل هذا النهج.

السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية-الإيرانية

تتسم العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بتاريخ طويل من العداء، يعود إلى الثورة الإيرانية عام 1979. منذ ذلك الحين، شهدت العلاقات فترات من التوتر الشديد، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ودعم طهران لوكلاء إقليميين. على الرغم من هذه التوترات، غالبًا ما اتبعت الولايات المتحدة سياسة “الصبر الاستراتيجي” مع إيران، وهو نهج يهدف إلى احتواء نفوذها وتقييد قدراتها دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تكون مكلفة وغير مضمونة النتائج .
كما أن هذا العداء الظاهر لم يمنع دعم إيران للاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق، ولم يمنع تسليم بغداد لنفوذ إيران لمنع صعود أي نفوذ جهادي سني. 
ولطالما تناغمت مصالح واشنطن وطهران في مكافحة ما يسمى الإرهاب، الذي جمعهم في حلف واحد، طبق سياسة الأرض المحروقة في العراق.

الصبر الاستراتيجي مع إيران: الأسباب الكامنة

 

يمكن تفسير الصبر الأمريكي مع إيران بعدة عوامل رئيسية:
1.التعقيد الجيوسياسي والتهديدات غير المتماثلة: تمتلك إيران عمقًا استراتيجيًا وقدرة على إثارة الاضطرابات في منطقة حيوية للعالم. إن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران قد تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، يصعب احتواؤها، وتؤثر سلبًا على إمدادات النفط العالمية والاستقرار الإقليمي. كما أن إيران طورت قدرات عسكرية غير متماثلة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، التي يمكن أن تشكل تهديدًا كبيرًا للمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
2.البرنامج النووي: على الرغم من المخاوف المستمرة بشأن برنامج إيران النووي، فإن الهدف الأمريكي الأساسي كان دائمًا منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وقد أدت الدبلوماسية، مثل الاتفاق النووي لعام 2015 (خطّة العمل الشاملة المشتركة)، إلى تجميد أو تقييد جوانب من هذا البرنامج، مما يمنح واشنطن مساحة للمناورة الدبلوماسية بدلاً من الخيار العسكري المباشر .
3.تجنب المستنقعات العسكرية: بعد تجارب العراق وأفغانستان، أصبحت الولايات المتحدة أكثر حذرًا من الانخراط في صراعات طويلة الأمد ومكلفة في الشرق الأوسط. إن الإطاحة بالنظام الإيراني قد تؤدي إلى فراغ في السلطة وصراع داخلي، مما قد ينتج عنه نظام أكثر تطرفًا أو فوضى إقليمية، وهو ما لا يخدم المصالح الأمريكية .
4.التأثير على أسواق الطاقة العالمية: إيران لاعب رئيسي في سوق النفط والغاز العالمية. أي تصعيد كبير في المنطقة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما يضر بالاقتصاد العالمي.

 

5. حاجة الولايات المتحدة لإيران: بالنظر لصراعات سابقة في أفغانستان والعراق، ودور إيران في دعم الاحتلال الأمريكي لهذه الدول، يبدو أن واشنطن تحفظ خط رجعة مع طهران لتستفيد منها في حال نشوب حرب مع الجهاد السني في المستقبل. ولذلك تحافظ على حد أدنى من العلاقة المصلحية.  

الحزم السريع مع الدول السنية: دراسات حالة

في المقابل، أظهرت الولايات المتحدة حزمًا سريعًا في التعامل مع بعض الدول ذات الأغلبية السنية، مثل أفغانستان في عام 2001، والعراق في عام 2003 وليبيا في عام 2011.، يمكن تحليل هذا التباين من خلال النقاط التالية:
1.أفغانستان (2001): تم غزو أفغانستان والإطاحة بحكم طالبان، بسرعة بناء على مزاعم بدعم الإرهاب والتورط في هجمات 11 سبتمبر التي مرغت أنف أمريكا في التراب، لكن طالبان اتجهت نحو حرب عصابات طويلة الأمد انتهت بإخراج الجيوش الغربية ذليلة من البلاد والرضوخ لعودة إمارة أفغانستان الإسلامية. فبقي الدرس لأمريكا كما ردده رئيسها الأسبق جو بايدن: “لقد عُرفت أفغانستان بأنها مقبرة الإمبراطوريات عبر التاريخ”، وهي الحرب التي كانت فيها إيران في صف واشنطن.

2.  العراق (2003): تم غزو العراق والإطاحة بنظام صدام حسين بسرعة نسبيًا، بناءً على مزاعم امتلاك أسلحة دمار شامل ووجود صلات بالإرهاب لم تثبت قط. كانت هناك قناعة أمريكية بأن النظام العراقي يشكل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية وحلفائها، وأن الإطاحة به ستؤدي إلى استقرار المنطقة. ومع ذلك، أظهرت التجربة أن التخطيط لمرحلة ما بعد الغزو كان ضعيفًا، مما أدى إلى سنوات من عدم الاستقرار والصراع . وهي الحرب التي كانت فيها إيران في صف التحالف الدولي بقيادة أمريكا.

2.ليبيا (2011): تدخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في ليبيا لدعم الانتفاضة ضد نظام معمر القذافي، تحت ذريعة حماية المدنيين من القمع . كان التدخل سريعًا ومحدودًا في البداية، لكنه أدى في النهاية إلى الإطاحة بالقذافي وفراغ في السلطة، مما أسفر عن سنوات من الفوضى والصراع الداخلي.

الأسباب الكامنة وراء التباين

يمكن إرجاع هذا التباين في السياسة الأمريكية إلى عدة عوامل:
1.التهديد المتصور: في حالات العراق وليبيا، كان هناك تصور بأن الأنظمة الحاكمة تشكل تهديدًا مباشرًا أو وشيكًا، سواء بدعم الجهاد العالمي (أفغانستان)، أو بامتلاك أسلحة دمار شامل (العراق) أو قمع المدنيين (ليبيا). في المقابل، على الرغم من استفزازات إيران، فإن التهديد الذي تشكله غالبًا ما يُنظر إليه على أنه طويل الأمد ويمكن احتواؤه من خلال الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.
2.القدرات العسكرية للدول المستهدفة: كانت القدرات العسكرية لأفغانستان والعراق وليبيا، على الرغم من كونها كبيرة، أقل تعقيدًا وتحديًا للولايات المتحدة مقارنة بالقدرات الإيرانية. إيران لديها جيش كبير، وقدرات صاروخية متطورة، وشبكة واسعة من الوكلاء الإقليميين، مما يجعل أي مواجهة عسكرية مباشرة أكثر خطورة وتعقيدًا .
3.الدروس المستفادة من التدخلات السابقة: أدت التجارب في أفغانستان والعراق وأفغانستان إلى تراجع الرغبة الأمريكية في التدخل العسكري المباشر لتغيير الأنظمة. أدركت واشنطن أن تكلفة هذه التدخلات، سواء البشرية أو المادية، غالبًا ما تفوق الفوائد المتوقعة، وأن النتائج قد تكون غير متوقعة وسلبية.
4.الدور الإقليمي لإيران: على الرغم من أن إيران تُعتبر قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة، إلا أنها أيضًا لاعب إقليمي لا يمكن تجاهله. إن الإطاحة بالنظام الإيراني قد يؤدي إلى فراغ في السلطة يمكن أن تستغله قوى أخرى، مما يزيد من عدم الاستقرار في المنطقة وقد يصب في صالح صعود الجهاد السني.
5.الاعتبارات الاقتصادية: كما ذكرنا سابقًا، فإن أي صراع كبير مع إيران يمكن أن يؤثر بشكل كبير على أسواق الطاقة العالمية، وهو ما تحرص الولايات المتحدة على تجنبه.

الخلاصة

إن التباين في السياسة الأمريكية تجاه إيران الشيعية والدول السنية ليس نابعًا من الصدفة، بل من مجموعة معقدة من العوامل الأيديولوجية الجيوسياسية والاستراتيجية والاقتصادية. فالصبر الاستراتيجي مع إيران يعكس إدراكًا للتعقيدات والتكاليف المحتملة لأي مواجهة عسكرية شاملة، في واقع من الممكن أن يعزز الجهاد السني، بينما الحزم السريع مع الدول السنية في الماضي كان مدفوعًا بتصورات مختلفة للتهديدات والقدرات العسكرية والدروس المستفادة من التدخلات السابقة التي كانت إيران حليفا مساندا للجيوش الأمريكية.
تهدف السياسة الأمريكية في نهاية المطاف إلى حماية مصالحها القومية وضمان استمرار هيمنتها الإقليمية، حتى لو تطلب ذلك تبني نهج مختلف مع إيران، ما دام هناك عدو ثالث أشد خطرا على كليهما يجب حساب حساب قمعه مبكرا.
ساجد العمري