التصعيد بين واشنطن وطهران.. ضربات متبادلة وهرمز يتحول إلى محور الصراع

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والسياسي، بعدما تبادل الطرفان الضربات والتهديدات، في وقت تكثفت فيه التحركات الدبلوماسية لإنقاذ التفاهم الموقع بينهما ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

ويأتي التصعيد بعد أسابيع من توقيع مذكرة تفاهم هدفت إلى احتواء التوتر، إلا أن الاشتباكات الأخيرة أعادت المشهد إلى نقطة الصفر، وسط مخاوف من اتساع رقعة المواجهة في الخليج العربي.

ضربات أميركية وهجمات إيرانية

أعلن الجيش الأميركي أنه استهدف أكثر من 140 موقعًا داخل إيران، شملت مناطق في بندر عباس وسيريك وجاسك وتشابهار وعسلوية، فيما أفادت طهران بأن الولايات المتحدة قصفت بنى تحتية ومنشآت مدنية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

وفي المقابل، أعلنت إيران تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت قواعد ومواقع في عدد من دول الخليج، بينها قطر والبحرين والكويت والأردن وسلطنة عمان، بينما أكدت طهران أن تحركاتها تأتي ردًا على الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة.

كما أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز “حتى إشعار آخر”، مؤكدًا استهداف سفينة حاولت العبور عبر ما وصفه بمسار غير معتمد، في خطوة رفعت مستوى القلق بشأن أمن الملاحة العالمية.

هرمز.. من ممر نفطي إلى ورقة تفاوض

أصبح مضيق هرمز محور الأزمة الحالية، بعدما تحول من ممر استراتيجي لنقل النفط إلى أهم أوراق الضغط في المفاوضات بين واشنطن وطهران.

وتسعى سلطنة عمان إلى بلورة صيغة لإدارة الملاحة داخل المضيق، تضمنت مقترحًا بإنشاء مسارين منفصلين لإدارة حركة السفن، إلا أن إيران تفضل إدارة مشتركة مع مسقط، معتبرة أن أي ترتيبات تقلص دورها ستضعف نفوذها في هذا الممر الحيوي.

وفي موازاة ذلك، سارعت إيران إلى تصدير نحو 11 مليون برميل من النفط عبر عدة ناقلات عملاقة، خشية تعطل حركة التصدير إذا تطورت الأزمة إلى إغلاق كامل للمضيق.

وقد انعكس هذا التوتر مباشرة على الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو 9% خلال أسبوع، وسط مخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية.

حرب تصريحات

على الصعيد السياسي، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته، متوعدًا بـ”تدمير كامل” لإيران إذا تعرض لأي محاولة اغتيال، مؤكدًا أن الجيش الأميركي مستعد لتنفيذ ضربات واسعة إذا اقتضت الضرورة.

في المقابل، شدد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي على أن الثأر لمقتل والده، المرشد السابق علي خامنئي، يمثل “إرادة الأمة”، متعهدًا بمواصلة الرد على الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن بلاده لن تستسلم للضغوط الأميركية، وأنها مستعدة للدفاع عن نفسها إذا انهارت التفاهمات القائمة.

الدبلوماسية لم تتوقف

ورغم تبادل الضربات، لم تتوقف الاتصالات السياسية.

فقد استضافت العاصمة العمانية مسقط لقاءً بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العماني بدر البوسعيدي، لبحث آليات ضمان سلامة الملاحة في مضيق هرمز واستمرار تنفيذ التفاهمات السابقة.

كما تحدثت تقارير عن لقاءات مرتقبة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، في محاولة لإنقاذ مسار التفاوض، رغم استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل العقوبات، وأمن الملاحة في الخليج.

إلا أن مصادر إيرانية أكدت أن استئناف المفاوضات مرهون بتراجع واشنطن عن مواقفها الأخيرة ووقف العمليات العسكرية.

هل تنهار التهدئة؟

يرى مراقبون أن التطورات الأخيرة وضعت مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية أمام أخطر اختبار منذ توقيعها. فبينما يتمسك الطرفان بإبقاء باب التفاوض مفتوحًا، فإن استمرار الضربات العسكرية وتبادل التهديدات يزيد من احتمالات انهيار التهدئة.

كما أن انتقال بؤرة الخلاف من الملف النووي إلى أمن مضيق هرمز يشير إلى تحول استراتيجي في طبيعة الصراع، إذ باتت حرية الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية تمثلان محور المواجهة الجديد.

مستقبل مفتوح على الاحتمالات

تعيش منطقة الخليج مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع المساعي الدبلوماسية في مشهد يعكس صعوبة الفصل بين الحرب والتفاوض. وبينما تحاول الوساطات الإقليمية منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، يبقى مستقبل الأزمة مرتبطًا بقدرة الطرفين على احتواء التصعيد، خصوصًا في ظل الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز بالنسبة للتجارة العالمية وأمن الطاقة.