عوسويني بعد 3 أعوام.. اليوم الذي انهارت فيه الحملة العسكرية للحكومة الصومالية، وانتصرت حركة الشباب المجاهدين، وانقلبت موازين الحرب في وسط الصومال

في مثل هذا اليوم، قبل ثلاثة أعوام، استيقظ وسط الصومال على معركة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل نقطة تحول كبرى أوقفت اندفاعة الميليشيات الحكومية، وبددت زخم حملتها في الولايات الوسطى، وأعادت رسم خريطة القتال في جلجدود وهيران وشبيلي الوسطى ومدق.

ففي صباح السبت، 26 أغسطس/آب 2023، اندلعت معركة عوسويني في محافظة جلجدود، لتصبح واحدة من أضخم المعارك التي شهدها الصومال منذ إعلان الرئيس حسن شيخ محمود حملته العسكرية ضد المناطق الخاضعة لسيطرة حركة الشباب المجاهدين.

وفي ذلك الصباح، كان صوت إذاعة «الأندلس» الناطقة باسم حركة الشباب المجاهدين يتردد في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة، معلنًا انطلاق برنامج «البث المباشر»، بينما كان مراسلوها يتابعون تطورات المعركة لحظة بلحظة، وينقلون الأخبار والتحليلات عن مسار المواجهات.

عوسويني في ذروة الهجوم الحكومي

جاءت المعركة في لحظة بدت فيها الحكومة الصومالية في أوج اندفاعها العسكري، بعدما دخلت قواتها وحلفاؤها عددًا من المدن والبلدات الرئيسة في جلجدود، من بينها عيل دير وعيل بور وجلعد.

وكان الهدف التالي مواصلة التقدم نحو جلهريري، في إطار خطة حكومية أوسع للسيطرة على المعاقل التي تديرها حركة الشباب المجاهدين في وسط البلاد.

لكن عوسويني قلبت المشهد رأسًا على عقب.

فالميليشيات التي جرى حشدها لتكون رأس حربة في التقدم نحو مناطق جديدة وجدت نفسها أمام معركة واسعة انتهت بانهيار مواقعها وتراجع أفرادها، لتتوقف بعدها الحملة الحكومية التي كانت تتقدم في جلجدود.

وأعلن المكتب الصحفي لحركة الشباب المجاهدين آنذاك مقتل أن أكثر من 200 عنصر من الميليشيات الحكومية، بينهم ضباط، غير أن حجم الهزيمة وتأثيرها العسكري لم يعد موضع إنكار حتى داخل أوساط الحكومة نفسها.

اعتراف جاء بعد ثلاثة أعوام

بعد قرابة ثلاثة أعوام من المعركة، عاد مستشار الأمن القومي الصومالي السابق حسين معلم للحديث عما جرى في عوسويني، مؤكدًا أن الميليشيات الحكومية تعرضت لهزيمة قاسية وأن حركة الشباب المجاهدين خرجت منتصرة من المواجهة.

وأوضح حسين معلم أن التعافي من آثار عوسوين لم يكن أمرًا يمكن إنجازه خلال أسابيع أو أشهر، بل احتاج إلى سنوات بسبب حجم الخسائر والاضطراب الذي أصاب الوحدات المشاركة في الحملة.

وتوقف في حديثه عند الأخطاء التي رافقت العملية، وتأثير المعركة في معنويات الميليشيات وخطط الحكومة الرامية إلى توسيع سيطرتها في الولايات الوسطى.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يقر بالهزيمة

كان الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود موجودًا في مدينة طوسمريب، عاصمة ولاية جلمدق، عندما اندلعت معركة عوسويني.

وعقب انتشار أخبار انهيار المواقع الحكومية، ظهر حسن شيخ محمود في خطاب إعلامي بدت عليه فيه آثار الصدمة، وأقر بأن قواته تعرضت لانتكاسة كبيرة.

ولم تكن تداعيات المعركة محصورة في عوسويني؛ إذ تفرقت أعداد من الجنود المنسحبين في اتجاهات مختلفة. وصل بعضهم إلى مقديشو، وعاد آخرون إلى المناطق التي جاؤوا منها، بينما تحدثت روايات لاحقة عن مغادرة بعضهم البلاد بطرق غير نظامية.

انهيار المعنويات واضطراب القيادة

تجاوزت آثار عوسويني حجم الخسائر البشرية والمادية، لتضرب تماسك الحملة الحكومية نفسها.

فقد ظهرت علامات الارتباك داخل الوحدات المنتشرة في الولايات الوسطى، وتزايدت الانسحابات، وتوقفت خطط كانت معدة لمهاجمة مناطق جديدة.

كما تصاعدت المخاوف داخل الحكومة من أن يمتد انهيار المعنويات من جلجدود إلى شبيلي الوسطى وهيران، ثم إلى المدن الكبرى وفي مقدمتها العاصمة مقديشو.

وفي خضم ذلك الارتباك، بدأت وسائل الإعلام تتحدث عن اقتراب سيناريو شبيه بما شهدته العاصمة الأفغانية كابل في 15 أغسطس/آب 2021. وظلت تلك المقارنة جزءًا من الحرب النفسية التي أعقبت عوسويني، لكنها عكست في الوقت نفسه حجم القلق الذي أحاط بمستقبل الحملة الحكومية.

نواب في البرلمان يطالبون بإنقاذ الموقف

ظهر عدد من أعضاء مجلس النواب الصومالي في تسجيلات مصورة بدت عليهم فيها علامات القلق، ودعوا زملاءهم والمسؤولين الحكوميين إلى الوقوف إلى جانب حسن شيخ محمود في مواجهة أخطر انتكاسة تعرضت لها حملته العسكرية.

كما حذر عثمان دوبّي، الذي كان حينها من الشخصيات العاملة داخل النظام الحكومي، من أن مصير الحكومة وخططها العسكرية أصبحا أكثر غموضًا بعد عوسويني.

وأمام اتساع حالة الاضطراب، غادر عدد من كبار المسؤولين مكاتبهم واتجهوا إلى مواقع انتشار الميليشيات، في محاولة لوقف الانسحابات وإعادة تنظيم الصفوف.

ووجّه وزير الدفاع آنذاك عبد القادر محمد نور، إلى جانب أحمد معلم فقي، رسائل متكررة لطمأنة الجنود وحثهم على البقاء في مواقعهم، لكن تلك الرسائل جاءت في وقت كانت فيه وحدات كاملة تنسحب من مناطق المواجهة.

خطاب الحركة بعد المعركة

في المقابل، ألقى الشيخ مهد ورسمي أبو عبد الرحمن، أحد قيادات حركة الشباب المجاهدين، كلمة بعد معركة عوسويني تناول فيها هوية الميليشيات التي قاتلتها الحركة، وقدّم رؤيتها للحرب وأسباب استمرارها في مواجهة الحكومة وحلفائها.

عوسويني تهز آدم يبال

امتدت تداعيات المعركة سريعًا إلى مدينة آدم يبال في ولاية شبيلي الوسطى، التي كانت تعيش بدورها حالة من القلق العسكري.

ووصل إلى المدينة قادة عسكريون ومسؤولون، بينهم رئيس إدارة هيرشبيلي، لمخاطبة الميليشيات الموجودة فيها وإقناعها بعدم الانسحاب، مؤكدين أنه لم يعد أمامها مكان آخر تتراجع إليه.

لكن المخاوف التي ظهرت بعد عوسويني لم تتوقف، وتمكنت حركة الشباب المجاهدين لاحقًا من استعادة آدم يبال، التي أصبحت، من المدن الخاضعة لإدارتها وأنظمتها القضائية.

معركة فتحت طريق التراجع

لم تتوقف آثار عوسويني عند حدود جلجدود، بل بدأت بعدها سلسلة من التحولات الميدانية التي تراجعت خلالها الميليشيات الحكومية عن عدد من المواقع التي كانت قد دخلتها في هيران وشبيلي الوسطى.

كما استعادت حركة الشباب المجاهدين السيطرة على مناطق عمارة وعاد وبعادوين وشبيلو في محافظة مدق، ضمن موجة من الهجمات والانسحابات التي أعقبت تعثر الحملة الحكومية.

وتحوّل التقدم الذي كانت الحكومة تقدمه بوصفه بداية نهاية حركة الشباب المجاهدين إلى سلسلة من الجبهات المضطربة، بينما استعادت الحركة تدريجيًا عددًا من البلدات والمواقع التي خسرتها.

عوسويني.. ما بعد المعركة

بعد ثلاثة أعوام، تبدو عوسويني أكبر من مجرد اسم لموقع شهد معركة دامية؛ فقد أصبحت عنوانا لليوم الذي توقف فيه التقدم الحكومي، وانهارت فيه خطط الوصول إلى جلهريري، وبدأت بعده مرحلة من الانسحابات والتراجعات في وسط الصومال. وفي المقابل، دشنت حركة الشباب المجاهدين حملة عسكرية مضادة، استعادت خلالها مناطق كانت قد فقدت السيطرة عليها، ثم وسعت نطاق نفوذها إلى بلدات ومواقع جديدة لم تكن خاضعة لها قبل بدء الحملة الحكومية.

لقد كشفت المعركة هشاشة الوحدات التي جرى حشدها على عجل، وأظهرت ضعف التنسيق والإمداد والقيادة، كما ضربت الروح المعنوية للميليشيات وأجبرت المسؤولين على الانتقال من مكاتبهم إلى الجبهات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ومن هنا اكتسب يوم 26 أغسطس/آب 2023 وزنه في مسار الحرب الصومالية؛ إذ لم يقتصر أثر عوسويني على إيقاف الهجوم الحكومي، بل انتقلت بعدها المبادرة الميدانية تدريجيا إلى حركة الشباب المجاهدين، التي شنت سلسلة من الهجمات المضادة ووسعت نطاق عملياتها، بينما اضطرت الميليشيات الحكومية إلى إعادة حساباتها والتخلي عن خطط التوسع التي وضعتها في الولايات الوسطى.