كينيا تطلق برنامج تعويض لضحايا عنف الشرطة وسط مطالبات بالمحاسبة
بدأت كينيا في يونيو/حزيران 2026 تنفيذ برنامج وطني للتعويض عن ضحايا عنف الشرطة خلال الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد بين عامي 2017 و2025، بتمويل يبلغ 2 مليار شلن كيني، أي نحو 13 مليون يورو. لكن بالنسبة إلى عائلات الضحايا، فإن الأموال لا يمكن أن تحل محل العدالة أو أن تعفي المسؤولين عن الانتهاكات من المحاسبة.
وتبرز قضية الشاب ريكس ماساي مثالًا على ذلك. فقد خرج في 20 يونيو/حزيران 2024 للمشاركة في الاحتجاجات المناهضة لمشروع قانون المالية، التي اندلعت على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة والفساد وشعور قطاعات من الشباب بأن الطبقة السياسية لم تعد تمثلهم. وفي نهاية اليوم، قُتل ماساي، البالغ 29 عامًا، برصاصة حية أثناء تفريق المتظاهرين في وسط نيروبي.
وتقول والدته، جيليان مونياو، إن الحكومة التي أخفقت في حماية ابنها تريد الآن تعويض الأسرة بنحو 3 ملايين شلن كيني. لكنها ترى أن التعويض المالي لا يمكن أن يكون بديلًا عن محاكمة المسؤولين، معتبرة أن حياة الإنسان لا يمكن أن تُقاس بمبلغ من المال.
غياب المحاسبة
يأتي برنامج التعويض في ظل انتقادات واسعة لأداء السلطات في التحقيق مع أفراد قوات الأمن وملاحقتهم قضائيًا. ووفق التقرير، لم تسجل حتى الآن إدانات مرتبطة بعمليات القتل خلال احتجاجات 2024، بينما تقول منظمات حقوقية إن السلطات الكينية لم تحقق أو تقاضِ، في كثير من الحالات، أفرادًا من قوات الأمن على خلفية استخدام القوة المفرطة والقاتلة خلال احتجاجات السنوات الأخيرة.
وسجلت هيئة الرقابة المستقلة على الشرطة 60 حالة قتل في عام 2024، إلى جانب استمرار اختفاء 26 شخصًا تقول التقارير إن الشرطة اختطفتهم. كما سُجلت عشرات الوفيات ومئات الإصابات خلال احتجاجات يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2025، بحسب بيانات منظمات حقوقية وهيئات رقابية مختلفة.
ولم تقتصر الانتهاكات على القتل والإصابات، إذ شهدت البلاد أيضًا أعدادًا كبيرة من الاعتقالات. فقد سجلت هيئة الرقابة على الشرطة 760 اعتقالًا في يوليو/تموز 2025، بينما بلغت الاعتقالات في احتجاجات 18 مايو/أيار 2026 المناهضة لارتفاع أسعار الوقود 1,058 حالة وفق البيانات الواردة في التقرير.
من سيحصل على التعويض؟
خصصت الحكومة صندوقًا بقيمة ملياري شلن لتعويض ضحايا أربع مراحل من العنف السياسي والاحتجاجات: أحداث ما بعد انتخابات 2017، وفترة ما بعد انتخابات 2022، واحتجاجات 2023، والاحتجاجات التي قادها الشباب خلال 2024 و2025.
وبحسب الحكومة، جرى التحقق من 1,101 ضحية من أصل 1,815 مطالبة تمت مراجعتها، وتشمل المستفيدين أسر القتلى، والناجين من الإصابات الدائمة أو الطفيفة، وضحايا العنف الجنسي المشدد، والأشخاص الذين لحقت أضرار بممتلكاتهم. لكن 35 أسرة من أسر المفقودين و135 من الناجين من التعذيب استُبعدوا من الدفعات الأولية إلى حين استكمال عمليات تحقق إضافية.
وتختلف قيمة التعويض بحسب طبيعة الضرر؛ إذ من المقرر أن تحصل أسر القتلى على 3 ملايين شلن كيني، أي نحو 20,312 يورو لكل أسرة، فيما توجد شرائح مالية أقل للناجين من التعذيب والاحتجاز والإصابات الدائمة.
هل يكفي المال لتحقيق العدالة؟
يرى خبراء في العدالة الإصلاحية أن التعويض يمثل خطوة مهمة للاعتراف بمعاناة الضحايا، لكنه لا ينبغي أن يصبح نهاية المسار. فالتعويض يعالج آثار الانتهاكات من فقدان وإصابة وصدمات نفسية، بينما تتطلب العدالة تحديد المسؤولين عن الجرائم ومحاسبتهم.
كما أن برنامج التعويض الحالي لا يعالج، وفق منتقديه، الأسباب السياسية والاقتصادية التي دفعت المواطنين إلى الاحتجاج أصلًا. فقد ارتبطت احتجاجات 2024 بالسياسات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما عكست أحداث 2017 انقسامات سياسية وتهميشًا، وهي قضايا لا يمكن للمدفوعات المالية وحدها معالجتها.
ويحذر خبراء من أن حصر التعويض في الأضرار الجسدية قد يؤدي إلى تهميش ضحايا آخرين، بمن فيهم أشخاص تعرضوا لانتهاكات خلال عمليات مكافحة الإرهاب قرب الحدود مع الصومال أو في الأحياء الفقيرة في نيروبي.
إرث لم يُحسم
ولا تُعد قضية التعويضات جديدة في كينيا. فقد أنشئت لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة عام 2009 للتحقيق في مظالم تاريخية امتدت من استقلال البلاد عام 1963 إلى أعمال العنف التي أعقبت انتخابات 2008. وجمعت اللجنة شهادات أكثر من 40 ألف ضحية، قبل أن تصدر تقريرها عام 2013 وتوصي بإنشاء صندوق للعدالة التصالحية، إلا أن توصياتها لم تُنفذ.
ومع اقتراب الانتخابات الكينية المقررة في 2027، تعود قضية تعامل الدولة مع الاحتجاجات وقوات الأمن إلى الواجهة. ويشير التقرير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت اتهامات متكررة باستخدام القوة المفرطة والاعتقالات التعسفية وحالات الاختفاء القسري.
وبالنسبة إلى أسر الضحايا، قد يمثل برنامج التعويض اعترافًا رسميًا بما تعرضوا له، لكنه لا يجيب عن السؤال الأكثر إلحاحًا: من المسؤول، وهل ستتم محاسبته؟ فبالنسبة إلى عائلة ريكس ماساي، كما بالنسبة إلى عائلات أخرى، يبقى المال تعويضًا عن الخسارة، وليس بديلًا عن العدالة.