حرب إيران تفجّر أزمة داخلية في كينيا
أحدثت الحرب بين إيران والولايات المتحدة تداعيات اقتصادية وسياسية متزايدة في كينيا، رغم أن نيروبي ليست طرفًا في الحرب ولا تملك مقعدًا على طاولة المفاوضات. ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعثر المفاوضات، وجدت كينيا نفسها تدفع جزءًا من كلفة الصراع عبر ارتفاع أسعار الوقود، وتراجع القدرة الشرائية، وتصاعد الضغوط على حكومة الرئيس ويليام روتو، وذلك قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
ولا تنحصر المشكلة في ارتفاع أسعار الوقود وحده، إذ كشف الصراع عن هشاشة اقتصادية أعمق تعاني منها البلاد، تتمثل في الاعتماد الكبير على الطاقة المستوردة، وضيق المجال المالي أمام الحكومة، وارتفاع بطالة الشباب، إلى جانب استمرار حالة عدم الثقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية.
الوقود يتحول إلى أزمة سياسية
تعتمد كينيا على استيراد معظم احتياجاتها من الوقود من دول الخليج، ما يجعلها شديدة التأثر بأي اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ومع نفاد الإمدادات التي تم تسعيرها وتأمينها قبل اندلاع الحرب، اضطرت الحكومة إلى رفع أسعار الوقود وتحميل المستهلكين جزءًا كبيرًا من التكلفة.
وشهدت الأسعار زيادات كبيرة خلال أبريل ومايو، الأمر الذي انعكس سريعًا على تكاليف النقل والمعيشة. وفي 18 مايو، أطلقت عدة جمعيات لسيارات الأجرة ووسائل النقل العام إضرابًا وطنيًا أدى إلى شلل في عدد من المدن والأنشطة التجارية، وسط احتجاجات أعادت إلى الأذهان موجة احتجاجات الشباب التي شهدتها كينيا خلال عامي 2024 و2025.
وتوصلت الحكومة وممثلو قطاع النقل لاحقًا إلى خفض قدره 10 شلنات للتر من الديزل، مقابل تكلفة تقدر بنحو 2.69 مليار شلن كيني من الإيرادات الحكومية المفقودة. كما استخدمت الحكومة جزءًا من صندوق تطوير النفط، وخفضت ضريبة الوقود بهدف الحد من الارتفاعات التي أثقلت كاهل المواطنين.
لكن هذه الإجراءات المؤقتة جاءت في وقت تواجه فيه المالية العامة أصلًا ضغوطًا كبيرة بسبب التضخم وارتفاع الدين العام.
الشباب في قلب الأزمة
تزداد حساسية الوضع الاقتصادي بسبب التركيبة السكانية في كينيا؛ إذ إن نحو 80% من السكان تبلغ أعمارهم 35 عامًا أو أقل، بينما تبلغ نسبة الشباب بين 18 و35 عامًا الذين لا يعملون ويبحثون عن وظائف نحو 43%.
وهذا يعني أن ارتفاع أسعار الوقود لا يُنظر إليه باعتباره مشكلة اقتصادية منفصلة، بل يرتبط مباشرة بتكاليف المعيشة وفرص العمل ومستقبل الشباب.
وقد ظهرت هذه المشاعر بوضوح خلال احتجاجات عام 2024 التي قادها الشباب ضد مشروع قانون المالية، بعدما اعتبر المتظاهرون أن زيادة الضرائب على السلع الأساسية ستزيد من أعباء المعيشة. وتحولت الاحتجاجات إلى مواجهة واسعة مع الحكومة، قُتل خلالها أكثر من 60 شخصًا وفق المصادر التي يستند إليها التقرير، واستمرت الاضطرابات خلال 2025.
وبالنسبة إلى حكومة روتو، تكتسب الأزمة أهمية سياسية خاصة؛ فقد اعتمدت حملته الانتخابية عام 2022 بدرجة كبيرة على استمالة الشباب وتقديم نفسه مدافعًا عن المواطنين العاديين. إلا أن استمرار البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة يضعان تلك الوعود أمام اختبار صعب قبل الانتخابات المقبلة.
الأزمة تتجاوز الوقود
لا تقف التداعيات عند محطات الوقود. فالدين العام الكيني يقترب من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يحد من قدرة الحكومة على الاستمرار في دعم أسعار الوقود أو تقديم مساعدات واسعة النطاق دون زيادة الضغوط على المالية العامة.
وفي الوقت نفسه، يهدد اضطراب مضيق هرمز بإحداث أزمة أخرى تتعلق بالغذاء والزراعة، بسبب تأثيره على إمدادات الأسمدة العالمية. وتستورد كينيا كامل احتياجاتها تقريبًا من الأسمدة، فيما يمر جزء من هذه الواردات عبر المضيق.
وتكتسب هذه المسألة خطورة خاصة لأن الاقتصاد الكيني يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة. وأي ارتفاع كبير في أسعار الأسمدة أو تعطل في إمداداتها قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، ثم ارتفاع أسعار الغذاء، ما يضيف عبئًا جديدًا على الأسر التي تعاني أصلًا من تراجع قدرتها الشرائية.
وقد شهدت كينيا تداعيات مشابهة بعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، عندما أدى ارتفاع أسعار الأسمدة عالميًا إلى ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع النمو الاقتصادي. إلا أن الأزمة الحالية تختلف، بحسب التحليل، لأن اضطرابها يرتبط بممر ملاحي استراتيجي يصعب إيجاد بديل سريع له، فيما تدخل كينيا الأزمة بقدرة مالية أضعف مما كانت عليه قبل سنوات.
الحرب لم تصنع الأزمة بل كشفتها
تكشف الحالة الكينية أن الصراع الإيراني–الأمريكي لم ينشئ جميع مشكلات البلاد، لكنه أدى إلى تضخيم نقاط الضعف الموجودة أصلًا.
فالدولة التي تعتمد على الطاقة المستوردة، وتواجه دينًا عامًا مرتفعًا وبطالة بين الشباب، تجد صعوبة في امتصاص صدمة خارجية مفاجئة. وما كان يمكن أن يبقى أزمة اقتصادية مؤقتة يتحول سريعًا إلى قضية سياسية عندما يشعر المواطنون بأن الحكومة غير قادرة على حمايتهم من ارتفاع تكاليف الحياة.
وقد منح انخفاض أسعار الوقود في يونيو الحكومة بعض المساحة السياسية للتنفس، لكن الحفاظ على الأسعار المنخفضة يفرض تكاليف إضافية على خزينة تعاني أصلًا من ضيق هامش الحركة.
الحاجة إلى حلول تتجاوز الدعم المؤقت
يرى التحليل أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد فقط على خفض الضرائب أو دعم الوقود. فهذه الإجراءات قد تخفف الضغط عن الأسر لفترة قصيرة، لكنها لا تعالج الأسباب التي تجعل الاقتصاد الكيني شديد التأثر بالصدمات الخارجية.
وتحتاج كينيا، وفق الرؤية المطروحة، إلى تعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات عبر إصلاحات طويلة الأمد تشمل تحسين الحوكمة والإنتاجية، وتعميق التكامل الإقليمي، وتوسيع التحول الرقمي، وخلق فرص اقتصادية جديدة للشباب.
ويمثل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، بحسب التحليل، فرصة محتملة لتنويع مصادر النمو والدخل، وإن كان ذلك يتطلب التعامل مع مخاطر مثل تأثير التكنولوجيا على بعض الوظائف.
وفي النهاية، تضع الحرب كينيا أمام مفارقة واضحة: قرار يتخذ في واشنطن وطهران يمكن أن ينعكس على أسعار الوقود والغذاء وعلى المزاج السياسي في نيروبي. ومع اقتراب الانتخابات، فإن قدرة الحكومة على احتواء هذه التداعيات لن تكون مجرد مسألة اقتصادية، بل ستصبح اختبارًا سياسيًا حقيقيًا لمستقبل روتو واستقرار البلاد.