حلّ «قسد» يعيد رسم خريطة السلطة في شمال سوريا: نهاية القوة الكردية أم بداية اختبار جديد لدمشق؟

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في 25 أغسطس/آب 2026، إنهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة والدخول في إطار مؤسسات الدولة السورية، في تحول هو الأبرز منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024. وأعلن قائدها مظلوم عبدي القرار من قصر الشعب في دمشق، مؤكدًا أن مهمة القوات انتهت وأن المرحلة الجديدة يجب أن تنتقل من «ساحة المعركة» إلى بناء الدولة والسلام.

لكن المفارقة أن إعلان الحل لا يعني أن ملف قسد انتهى فعليًا؛ بل إن أصعب مرحلة بدأت الآن: كيف ستتحول قوة عسكرية وسياسية تمتعت لسنوات بنفوذ واسع في شمال وشرق سوريا إلى جزء من دولة مركزية، وما الذي سيحدث للترتيبات الأمنية والسياسية والحقوق الكردية التي نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية؟

من قوة حاربت «داعش» إلى قوة تذوب داخل الدولة

تأسست قسد عام 2015 من مكونات كردية وعربية وغيرها، وأصبحت الشريك العسكري الرئيسي للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم «داعش» في سوريا. وتمكنت خلال السنوات التالية من السيطرة على مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد، وأقامت إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع.

لكن سقوط الأسد غيّر ميزان القوى بصورة جذرية. ومع انتقال الدعم الأمريكي إلى السلطات الجديدة في دمشق وتقدم قوات الحكومة، فقدت قسد جزءًا كبيرًا من الأراضي التي كانت تسيطر عليها، وأصبح استمرارها كجيش مستقل أكثر صعوبة.

وهنا تظهر المفارقة الأولى: القوة التي ساعدت الولايات المتحدة في هزيمة «داعش» وأصبحت أحد أبرز اللاعبين العسكريين في سوريا، تنتهي اليوم إلى الاندماج في المؤسسة العسكرية التابعة للحكومة التي كانت تسعى إلى توحيد البلاد تحت سلطة مركزية.

اتفاق بدأ قبل أشهر وانتهى بالحل

لم يكن الإعلان مفاجئًا بالكامل. فقد بدأت عملية دمج قسد في مؤسسات الدولة باتفاقات سابقة، قبل أن تتعثر بسبب الخلافات حول شروط التنفيذ، ثم استؤنفت العملية بعد مواجهات وتغيرات ميدانية.

وتشير الرواية الرسمية السورية إلى أن المسار استمر نحو 17 شهرًا، وشمل مراحل سياسية وقانونية وأمنية وإدارية انتهت بإدماج القوات في الجيش السوري.

وكان اتفاق يناير/كانون الثاني 2026 قد نص على وقف إطلاق النار والاندماج التدريجي، إضافة إلى نقل مسؤوليات إدارية وعسكرية إلى الدولة. كما تضمن بنودًا تتعلق بإبعاد أعضاء وقيادات غير سورية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني خارج البلاد، ومواصلة مكافحة «داعش» بالتنسيق مع التحالف الدولي.

وبذلك، فإن حل قسد ليس مجرد قرار منفصل، بل المرحلة الأخيرة لمسار طويل من إعادة توزيع السلطة في شمال شرق سوريا.

المفارقة الأكبر: حل القوة مقابل الاعتراف بالحقوق الكردية

من أبرز ما يلفت في الاتفاق أن نهاية قسد العسكرية تتزامن مع خطوات باتجاه الاعتراف ببعض المطالب الثقافية والسياسية للأكراد.

وبحسب تفاصيل الاتفاق التي نشرتها وسائل إعلام سورية ولم تؤكدها وزارة الإعلام السورية بشكل مستقل، تشمل الترتيبات الاعتراف باللغة الكردية وإتاحة تدريس بعض المواد باللغة الكردية في المدارس، إلى جانب ترتيبات لإدماج وحدات حماية المرأة «YPJ» في أجهزة الأمن.

لكن التطورات اللاحقة تكشف أن ملف «YPJ» لم يُحسم بصورة نهائية؛ إذ استمرت المناقشات بشأن وضع مقاتلاتها وطبيعة إدماجهن في مؤسسات الدولة.

وهنا تظهر مفارقة ثانية: دمشق تستعيد السيطرة المركزية وتنهي وجود قوة عسكرية كردية مستقلة، لكنها في الوقت نفسه تقدم تنازلات أو ضمانات تتعلق بالهوية واللغة والتمثيل الكردي.

والسؤال الحقيقي ليس فقط: هل حصل الأكراد على حقوق مكتوبة؟ بل هل ستتحول هذه الحقوق إلى ممارسة مؤسسية مستدامة داخل الدولة السورية؟

آخر المستجدات: مظلوم عبدي داخل مؤسسات الدولة

أحد أبرز التطورات التي ظهرت بعد إعلان حل قسد جاء في 28 أغسطس/آب، عندما عيّن الرئيس السوري أحمد الشرع مظلوم عبدي، القائد السابق لقسد، مستشارًا رئاسيًا. ويعكس القرار محاولة لإبقاء شخصية كردية بارزة داخل بنية الدولة الجديدة بدل انتقالها إلى خارج المشهد السياسي.

كما نشرت وزارة التعليم السورية قرارًا يسمح بالتدريس باللغة الكردية، في خطوة تشير إلى أن الاتفاق لا يقتصر على إعادة ترتيب القوات، بل يمتد إلى ملفات الهوية والثقافة والتعليم.

وهذه التطورات تمنح الاتفاق بعدًا مختلفًا: قائد القوة التي كانت تتمتع بنفوذ عسكري واسع لا يخرج من المشهد، وإنما ينتقل من قيادة تشكيل مسلح مستقل إلى موقع داخل مؤسسات الدولة.

تركيا تحتفي بالخطوة

من المفارقات الإقليمية أن تركيا، التي عارضت قسد بشدة بسبب صلاتها التي تقول إنها تربطها بحزب العمال الكردستاني، رحبت بحل القوة.

واعتبرت أنقرة أن تفكيك قسد يمثل خطوة مهمة لتعزيز وحدة سوريا وسلطتها المركزية. كما أكدت دعمها لوحدة الأراضي السورية ورفضها أي شكل من أشكال الانفصال.

وبذلك، فإن جهة إقليمية كانت تنظر إلى قسد باعتبارها تهديدًا أمنيًا أصبحت ترى في تفكيكها جزءًا من استقرار سوريا.

واشنطن أيضًا أمام معادلة مختلفة

أما الولايات المتحدة، التي كانت الداعم العسكري والسياسي الأهم لقسد خلال الحرب ضد «داعش»، فقد رحبت بعملية الاندماج ووصفت الاتفاق سابقًا بأنه «معلم تاريخي».

لكن التحول يعني عمليًا نهاية أحد أهم أشكال الوجود العسكري والسياسي المستقل لحليف واشنطن الكردي في سوريا.

وهنا تظهر مفارقة ثالثة: الحليف الذي اعتمدت عليه واشنطن لسنوات في محاربة «داعش» لم يعد قوة مستقلة، بل أصبح جزءًا من الدولة السورية الجديدة.

ماذا كسبت دمشق وماذا خسر الأكراد؟

بالنسبة إلى دمشق، يمثل الاتفاق مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا. فقد استعادت الدولة مؤسسات ومناطق وحقولًا وموارد كانت خارج سيطرتها، بينما تقترب من إنهاء أحد أبرز أشكال الحكم الذاتي الذي نشأ خلال الحرب.

أما بالنسبة إلى الأكراد، فالصورة أكثر تعقيدًا.

فهم يخسرون قوة عسكرية مستقلة وإدارة ذاتية واسعة، لكنهم قد يحصلون في المقابل على اعتراف أكبر بالحقوق الثقافية واللغوية، وتمثيل داخل مؤسسات الدولة، ومشاركة شخصيات كانت تقود قسد في النظام السياسي والأمني الجديد.

ولهذا فإن السؤال الكردي لم يعد بالضرورة: هل تبقى قسد؟
بل أصبح: ماذا سيبقى من المكاسب التي حققتها الإدارة الكردية السابقة بعد اختفاء قسد؟

الاختبار الأصعب يبدأ الآن

قد يكون إعلان حل قسد أسهل من تنفيذ عملية الدمج نفسها.

فدمج آلاف المقاتلين في مؤسسات الدولة لا يعني تلقائيًا حل الخلافات المتعلقة بسلسلة القيادة، والانتشار العسكري، والتمثيل السياسي، وإدارة المناطق، والموارد، ومستقبل وحدات النساء، والعلاقة بين السلطة المركزية والمجتمعات المحلية.

وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن أسئلة القيادة والانتشار لا تزال قائمة، ما يعني أن الإعلان السياسي عن توحيد الجيش لا يساوي بالضرورة اكتمال الوحدة العسكرية على الأرض.

كما أن المجتمع الكردي نفسه لا ينظر إلى التحول بالضرورة من زاوية واحدة؛ فهناك من يرى فيه فرصة لضمان الحقوق داخل دولة موحدة، بينما يخشى آخرون من فقدان الضمانات التي وفرتها الإدارة الذاتية خلال السنوات الماضية.

نهاية قسد أم إعادة تشكيلها؟

في الظاهر، انتهت قسد كقوة عسكرية مستقلة. لكن من المبكر القول إن نفوذها السياسي والاجتماعي انتهى بالمعنى الكامل.

فالقادة السابقون يدخلون مؤسسات الدولة، والمقاتلون ينتقلون إلى الجيش، والحقوق الكردية أصبحت جزءًا من النقاش الرسمي، فيما تتجه دمشق إلى استعادة السيطرة المركزية على المناطق التي كانت تديرها قسد.

لذلك، فإن ما حدث يمكن قراءته باعتباره انتقالًا من حكم ذاتي مسلح إلى مشاركة داخل الدولة المركزية.

وهذه هي المفارقة الأهم في المشهد السوري الجديد: قسد اختفت كاسم وقوة مستقلة، لكن القضية التي نشأت حولها – مستقبل الأكراد ومكانتهم وحقوقهم داخل سوريا- لم تختفِ.

والاختبار الحقيقي أمام حكومة أحمد الشرع لن يكون في إعلان وحدة البلاد، بل في قدرتها على تحويل هذه التسوية إلى نظام سياسي وأمني يشعر فيه الأكراد وسائر المكونات بأنهم جزء من الدولة، لا مجرد مناطق وقوى جرى إخضاعها لسلطة المركز. وفي المقابل، يبقى نجاح الاتفاق مرتبطًا بقدرة دمشق على بناء دولة موحدة دون إعادة إنتاج أسباب الصراع التي مزقت سوريا لأكثر من عقد.

ماذا عن ضحايا الانتهاكات؟

لكن وسط الاحتفاء بحل قسد واندماج مقاتليها في مؤسسات الدولة، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: ماذا عن الضحايا؟

فإنهاء تشكيل عسكري أو دمجه في الجيش لا يمحو تلقائيًا ما تعلق بعناصره وأجهزته من انتهاكات خلال سنوات سيطرته على مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا. وقد وثقت منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، حالات من الاعتقال التعسفي، وانتهاكات حقوق المحتجزين، وتقييد المعارضة، فضلًا عن ملف المعتقلين والمحتجزين في مخيمات وسجون تديرها قسد وأجهزتها.

وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات التسوية الحالية: أشخاص كانوا جزءًا من قوة متهمة بارتكاب انتهاكات لا يخرجون بالضرورة من المشهد، بل ينتقل بعضهم إلى مؤسسات الدولة الجديدة. حيث أُسندت بالفعل مناصب عسكرية لمسؤولين سابقين من قسد.

والعدالة تستوجب محاسبة المجرمين في صفوف قسد، من أصدر الأوامر؟ من نفذ؟ من تورط في التعذيب أو الاعتقال غير القانوني؟ ثم منح الضحايا حقهم في معرفة الحقيقة والإنصاف والتعويض، ومحاسبة المسؤولين لا احتضانهم في مؤسسة حكومية.

وتزداد أهمية ذلك لأن المراقبين حذروا من أن جهود العدالة في سوريا يجب ألا تكون انتقائية أو أحادية الجانب، وأن ضحايا قسد لن يثقوا في حكومة تحتضن من يحتاج للمحاسبة لا التكريم.

وبالتالي، فإن دمج مقاتلي قسد في الجيش لا ينبغي أن يكون بوابة للإفلات من العقاب. وإلا فإن الدولة الجديدة قد تنقل بعض ممارسات الماضي إلى مؤسساتها بدل أن تطوي صفحته.

ولا يمكن بناء دولة مستقرة على قاعدة أن الطرف الذي أصبح جزءًا من السلطة يحصل تلقائيًا على حصانة من المحاسبة. فالمصالحة الحقيقية لا تعني نسيان الضحايا، وإنما إنصافهم دون تحويل المؤسسات الحكومية لمحاضن للمجرمين.