السودان بين هجمات المسيّرات ومعارك الحدود: تصعيد جديد في النيل الأبيض والنيل الأزرق

تشهد الحرب السودانية مرحلة جديدة من التصعيد العسكري مع تزايد الاعتماد على الطائرات المسيّرة واتساع رقعة المواجهات إلى مناطق استراتيجية في وسط وجنوب شرق البلاد، في وقت تتزايد فيه الخسائر المدنية وتتواصل المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحلفائها على عدة جبهات.

وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، قُتل مدنيان وأصيب آخرون جراء هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مدينة ربك بولاية النيل الأبيض صباح الخميس، وفق مصادر محلية. ويأتي الهجوم ضمن سلسلة من الضربات الجوية التي طالت خلال الأشهر الماضية منشآت خدمية ومرافق مدنية في الولاية، ما أثار مخاوف متزايدة من انتقال الحرب إلى مناطق ظلت بعيدة نسبياً عن خطوط القتال المباشرة.

وتكتسب مدينة ربك أهمية خاصة لكونها مركزاً حيوياً للنقل والتجارة في وسط السودان، حيث ترتبط بمدينة كوستي عبر شبكة من الطرق والجسور وخطوط السكك الحديدية، كما تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين الذين فروا من المعارك في الخرطوم والجزيرة وسنار ومناطق أخرى.

النيل الأزرق… جبهة مشتعلة

بالتزامن مع ذلك، نفت قيادة الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش السوداني ما تردد عن تراجع قواتها أو فقدانها السيطرة في محيط مدينة الكرمك الحدودية بإقليم النيل الأزرق، مؤكدة أن القوات المسلحة ما زالت تسيطر على مواقعها وتدير العمليات العسكرية بكامل جاهزيتها.

وتعد الكرمك إحدى أكثر المناطق حساسية في السودان بسبب موقعها الاستراتيجي على الحدود الإثيوبية، حيث تمثل معبراً رئيسياً وخط إمداد مهماً يؤثر بشكل مباشر على حركة القوات والإمدادات العسكرية داخل الإقليم.

وشهدت المنطقة خلال الأشهر الماضية معارك متواصلة بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جهة، وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو من جهة أخرى، ما أدى إلى موجات نزوح واسعة وتدهور الأوضاع الإنسانية في المنطقة.

حرب تتوسع وأدواتها تتغير

ويرى مراقبون أن الحرب السودانية دخلت مرحلة جديدة تتسم باتساع استخدام الطائرات المسيّرة كسلاح رئيسي في العمليات العسكرية. فبعد أن كانت المعارك تعتمد أساساً على المواجهات البرية والمدفعية، أصبحت المسيّرات أداة فعالة لاستهداف المواقع العسكرية ومراكز الإمداد والبنية التحتية، لكنها في الوقت ذاته رفعت مستوى المخاطر التي تواجه المدنيين.

كما تتواصل المواجهات في إقليم كردفان، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز مواقعه والسيطرة على المحاور الاستراتيجية التي تربط غرب السودان بوسطه، في وقت تشير فيه تقديرات عسكرية إلى أن نتائج المعارك في النيل الأزرق وكردفان قد تكون حاسمة في تحديد موازين القوى خلال المرحلة المقبلة.

صراع مفتوح بلا أفق قريب

ومع استمرار تبادل الهجمات وتوسع استخدام الطائرات المسيّرة واحتدام القتال في المناطق الحدودية، تبدو الحرب السودانية بعيدة عن أي تسوية قريبة. فبينما يسعى الجيش إلى تثبيت سيطرته على المواقع الاستراتيجية واستعادة المزيد من المناطق، تواصل قوات الدعم السريع شن هجمات مضادة للحفاظ على نفوذها في عدة جبهات.

وفي خضم هذا المشهد، يبقى المدنيون الأكثر تضرراً من حرب تتسع جغرافياً وتتطور عسكرياً، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى تعميق الأزمة الإنسانية وإطالة أمد الصراع الذي دخل عامه الرابع دون بوادر حقيقية للحل.