الصين تدخل السودان من بوابة الموانئ والمعادن.. قراءة في توسع النفوذ الصيني وسط الحرب
في الوقت الذي يواصل فيه السودان مواجهة حرب مدمرة دخلت عامها الرابع، تتحرك الصين بثبات لتعزيز حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد عبر ثلاث بوابات رئيسية: الموانئ، وتخفيف أعباء الديون، وقطاع التعدين. فبينما ينشغل العالم بتطورات الصراع الداخلي، تبدو بكين وكأنها تضع أسس شراكة طويلة الأمد مع الخرطوم، مستفيدة من حاجة السودان الملحة إلى إعادة تشغيل اقتصاده المنهك.
أحدث هذه الخطوات تمثل في توقيع مذكرة تفاهم بين المؤسسة العامة للموانئ البحرية السودانية وشركة هندسة الموانئ الصينية المملوكة للدولة، لتطوير وتحديث الموانئ السودانية وإنشاء موانئ جديدة على البحر الأحمر. ويعكس الاتفاق اهتماماً صينياً متزايداً بالبنية التحتية البحرية للسودان، بما ينسجم مع توجهات بكين لتوسيع شبكاتها التجارية واللوجستية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.
الموانئ بوابة النفوذ
لا تقتصر أهمية الموانئ السودانية على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى البعد الجيوسياسي. فالسودان يمتلك موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما يجعل تطوير موانئه جزءاً من سباق النفوذ الدولي في المنطقة.
وبالنسبة للصين، فإن الاستثمار في الموانئ يمنحها موطئ قدم إضافياً على طريق التجارة العالمية الممتد من شرق آسيا إلى أوروبا وأفريقيا، ويعزز قدرتها على حماية سلاسل الإمداد المرتبطة بتدفق الطاقة والمواد الخام.
إلغاء ديون ومساعدات تنموية
قبل توقيع اتفاق الموانئ بأيام، وافقت الصين على إلغاء أربعة قروض بدون فوائد للسودان بقيمة تقارب 50 مليون دولار، كما استعرض الجانبان مشاريع ممولة صينياً تشمل منشآت صناعية ومنحاً لدعم قطاعات الطاقة والمياه والزراعة.
هذه الخطوات تمنح الخرطوم متنفساً مالياً في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني من خسائر ضخمة نتيجة الحرب، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن النزاع تسبب في فقدان مليارات الدولارات من الناتج المحلي الإجمالي منذ اندلاعه في أبريل 2023.
لكن مراقبين يرون أن تخفيف الديون لا يمثل مجرد مساعدة اقتصادية، بل يحمل أيضاً بعداً سياسياً يتمثل في منح الحكومة السودانية دعماً دبلوماسياً ورسالة ثقة في وقت تسعى فيه إلى تعزيز شرعيتها الدولية.
صفقة النحاس المحتملة
إلى جانب الموانئ والديون، يبرز قطاع التعدين باعتباره الحلقة الأكثر أهمية في التوسع الصيني. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن اتفاق محتمل بين الخرطوم وشركة صينية لتطوير منجم نحاس بقيمة تصل إلى 300 مليون دولار لمدة ثلاثين عاماً، تحصل السودان بموجبه على 30% من الأرباح.
ورغم عدم صدور تأكيد رسمي للاتفاق، فإن الاهتمام الصيني بالنحاس يبدو منطقياً؛ فالصين هي أكبر مستهلك ومصنّع للنحاس في العالم، وتعتمد عليه صناعات البنية التحتية وشبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية.
وتشير تقديرات سودانية إلى أن منطقة القطب بولاية البحر الأحمر قد تحتوي على نحو خمسة ملايين طن متري من النحاس, ما يجعلها هدفاً مغرياً للاستثمارات الأجنبية.
ثروات غير مستكشفة
يمتلك السودان احتياطيات كبيرة من الذهب والنحاس واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة، كما تؤكد الهيئة السودانية للبحوث الجيولوجية أن نحو 75% من الموارد المعدنية في البلاد لم تُستكشف بعد.
وهذا يعني أن بكين لا تنظر إلى السودان كسوق مؤقتة، بل كمصدر طويل الأجل للمعادن الاستراتيجية التي تحتاجها صناعاتها المتقدمة.
مخاطرة محسوبة
ما يلفت الانتباه هو استعداد الصين للاستثمار في السودان رغم استمرار الحرب وعدم استقرار الأوضاع الأمنية. فبينما يتردد كثير من المستثمرين الغربيين والخليجيين في الدخول إلى بيئة عالية المخاطر، تبدو بكين أكثر استعداداً لتحمل المخاطرة مقابل الحصول على فرص استراتيجية طويلة المدى.
ويرى محللون أن هذا النهج يعكس طبيعة السياسة الصينية في أفريقيا، التي تركز على المصالح الاقتصادية والبنية التحتية أكثر من التدخل المباشر في الترتيبات السياسية الداخلية
.
السودان بين الإعمار والحرب
تبقى المعضلة الأساسية بالنسبة للخرطوم هي كيفية توظيف هذه الشراكات لإعادة تشغيل الاقتصاد والخدمات العامة، في وقت لا تزال فيه الحرب تستنزف الموارد.
فالحكومة السودانية تحتاج إلى إظهار قدرتها على توفير الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية للسكان، وليس فقط تمويل العمليات العسكرية. ومن هنا تأتي أهمية الاستثمارات الصينية في الموانئ والطاقة والزراعة، باعتبارها أدوات يمكن أن تساعد في إعادة بناء مؤسسات الدولة إذا توافرت الظروف الأمنية المناسبة.
الخلاصة
التوسع الصيني في السودان لم يعد يقتصر على النفط كما كان في العقود السابقة، بل أصبح يشمل الموانئ، والبنية التحتية، وتخفيف الديون، والمعادن الاستراتيجية. وبينما يبحث السودان عن مصادر للإنعاش الاقتصادي بعد سنوات الحرب، ترى بكين في البلاد فرصة لتعزيز حضورها على البحر الأحمر وتأمين احتياجاتها من الموارد المعدنية الحيوية.
وبذلك، يتشكل تدريجياً نمط جديد من العلاقة بين الجانبين: السودان يحتاج إلى التمويل والاستثمار، والصين تحتاج إلى الموانئ والمعادن والنفوذ الاستراتيجي. والسؤال الذي سيحدد مستقبل هذه الشراكة هو ما إذا كانت هذه الاستثمارات ستتحول إلى رافعة لإعادة الإعمار، أم ستبقى محكومة بتقلبات الحرب وعدم الاستقرار السياسي.