الولايات المتحدة تقلّص تمويلها للحملة العسكرية في الصومال: بوادر تحوّل استراتيجي في سياسة واشنطن الإفريقية
تعيش الحملة العسكرية الإفريقية في الصومال واحدة من أشد أزماتها المالية منذ انطلاقها، بعدما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية، الداعم الأبرز لتلك القوات، بالتراجع عن تمويلها المباشر، في خطوة تعكس تحوّلاً واضحًا في الاستراتيجية الأمريكية تجاه القارة الإفريقية عمومًا، والقرن الإفريقي على وجه الخصوص.
ففي تصريح حديث، قال جون كيلي، المندوب الأمريكي المؤقت لدى الأمم المتحدة، إن الوقت قد حان لأن تتحمل الدول الأخرى المعنية بأمن الصومال جزءًا أكبر من العبء المالي.
هذا الموقف يأتي في وقتٍ تسعى فيه إدارة واشنطن إلى نقل مسؤولية تمويل القوات الإفريقية إلى كلٍّ من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، غير أن المؤسستين الدوليتين تبديان تحفظًا واضحًا بسبب الضغوط المالية التي تواجههما، ما يضع الوجود العسكري الإفريقي في الصومال أمام اختبار وجودي حقيقي.
منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة والحكومة الصومالية برودًا دبلوماسيًا متزايدًا، تُرجم في خفض مستوى التمثيل الأمريكي في مقديشو، وتداول أنباء عن احتمال إغلاق السفارة الأمريكية نهائيًا.
ويعكس هذا التوجه نزعة داخل الإدارة الأمريكية إلى الانكفاء عن الصراعات الخارجية التي لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة. فقد صرّح ترامب خلال اجتماع مع قادة الجيش الأمريكي بأن إنفاق موارد الولايات المتحدة في دول مثل كينيا والصومال “لم يعد منطقيًا”، مشيرًا إلى ضرورة إعادة توجيه الإنفاق نحو الداخل الأمريكي.
ويرى مراقبون أن هذا التراجع الأمريكي قد يؤدي إلى فراغ مالي وأمني خطير في الصومال، خاصة مع هشاشة الوضع الحكومي وغياب البدائل الإقليمية المستقرة، ما قد يفتح الباب أمام عودة حركة الشباب المجاهدين إلى مناطق النفوذ القديمة، ويقوّض ما تبقى من مشروع “الاستقرار الممول خارجيًا” الذي راهنت عليه واشنطن لعقدين.
وبينما تحاول الولايات المتحدة إعادة رسم حدود تدخلها في إفريقيا، يظل السؤال المطروح: هل يمثل هذا الانسحاب بداية تفكك المنظومة الأمنية التي أرستها واشنطن بعد 2001، أم أنه مجرد إعادة تموضع مؤقت في ساحة تتغير أولوياتها بسرعة؟