تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية تثقل كاهل الأمريكيين.. تقديرات تتحدث عن ألف دولار تكلفة إضافية لكل أسرة

ألقت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بظلالها على الاقتصاد الأمريكي، بعدما ارتفعت تكاليف المعيشة بصورة ملحوظة منذ اندلاع المواجهة العسكرية في فبراير/شباط 2026، وسط استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الصراع وتأثيره على الأسواق العالمية.

ووفق تقديرات كبيرة الاقتصاديين في وكالة موديز أناليتيكس، مارك زاندي، فإن الحرب كلفت الأسرة الأمريكية المتوسطة نحو 1000 دولار إضافية حتى الآن، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية وتكاليف النقل والفائدة والإنفاق العسكري.

ارتفاع التضخم يفاقم الضغوط

جاءت هذه التقديرات بالتزامن مع بيانات حكومية أظهرت أن معدل التضخم في الولايات المتحدة خلال شهر مايو بلغ أعلى مستوياته منذ ثلاث سنوات، بينما لا تزال المفاوضات بين واشنطن وطهران تسعى للتوصل إلى اتفاق دائم ينهي المواجهة العسكرية، في ظل استمرار التوتر وتبادل الضربات بين الطرفين.

ويرى زاندي أن استمرار الحرب أدى إلى موجة تضخمية انعكست على مختلف القطاعات الاقتصادية، الأمر الذي رفع الأعباء المعيشية على ملايين الأسر الأمريكية.

الوقود.. العبء الأكبر

يُعد ارتفاع أسعار الوقود أبرز الأسباب وراء زيادة تكاليف المعيشة، إذ وصل متوسط سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة إلى 4.56 دولار في 21 مايو، قبل أن يتراجع لاحقًا إلى أقل من أربعة دولارات، ثم يستقر عند نحو 3.85 دولار للجالون مطلع يوليو، وفق بيانات AAA.

ويقدر زاندي أن الأسرة الأمريكية أنفقت في المتوسط 300 دولار إضافية على البنزين منذ اندلاع الحرب، وهو ما انعكس بدوره على تكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية.

كما أدى ارتفاع أسعار وقود الديزل إلى زيادة كلفة نقل المنتجات الزراعية والصناعية والبضائع القادمة عبر الموانئ، وهو ما رفع أسعار التجزئة في الأسواق.

الغذاء أكثر تكلفة

انعكست زيادة تكاليف النقل مباشرة على أسعار المواد الغذائية، حيث قدّر زاندي أن الأسرة الأمريكية دفعت في المتوسط 200 دولار إضافية لشراء الغذاء منذ بدء الحرب، نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتوزيع.

ويؤكد اقتصاديون أن الوقود يمثل أحد أهم عناصر تكلفة الإنتاج والنقل، لذلك فإن أي ارتفاع في أسعاره ينعكس سريعًا على أسعار السلع الاستهلاكية.

الفائدة المرتفعة تؤجل آمال المقترضين

ومن بين التداعيات غير المباشرة للحرب، استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة.

فمع بداية عام 2026، كانت الأسواق تتوقع أن يبدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة، إلا أن عودة التضخم دفعت البنك المركزي إلى تأجيل هذه الخطوة، بل إن بعض المحللين باتوا يتوقعون احتمال رفع الفائدة مرة أخرى خلال العام.

ويقدر زاندي أن هذا التطور كلف الأسرة الأمريكية نحو 150 دولارًا في صورة أعباء مالية إضافية وفرص ضائعة للحصول على قروض أقل تكلفة.

تذاكر الطيران ترتفع

كما تأثرت حركة السفر الجوي بارتفاع أسعار وقود الطائرات، إذ قامت شركات الطيران بتحميل جزء من هذه الزيادة للمسافرين.

ووفق التقديرات، بلغت الزيادة المتوسطة في تكلفة السفر الجوي نحو 100 دولار لكل أسرة منذ اندلاع الحرب.

تكلفة الحرب على دافعي الضرائب

ولا تقتصر التداعيات على النفقات اليومية، إذ يشير زاندي إلى أن الإنفاق العسكري الأمريكي المتزايد يمثل عبئًا إضافيًا على دافعي الضرائب.

ويقدر الاقتصادي الأمريكي أن الأسرة تتحمل بصورة غير مباشرة نحو 250 دولارًا نتيجة زيادة الإنفاق الحكومي على العمليات العسكرية ضد إيران.

ووفق تقديراته، تنفق الولايات المتحدة نحو 50 مليون دولار يوميًا على العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب.

وفي المقابل، نقلت شبكة CBS News عن مسؤولين أمريكيين أن التكلفة الإجمالية للحرب بلغت نحو 50 مليار دولار حتى أبريل الماضي، بينما قدرت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تكلفة عملية “Epic Fury” بنحو 25 مليار دولار، دون احتساب قيمة المعدات العسكرية المدمرة أو الأضرار التي لحقت بالمنشآت العسكرية.

تقديرات قد تكون أقل من الواقع

ويرى مارك زاندي أن تقديره البالغ ألف دولار للأسرة الواحدة يعد “محافظًا”، مرجحًا أن تكون التكلفة الحقيقية أعلى من ذلك.

وتتفق دراسات أخرى مع هذا الاتجاه، إذ قدّر باحثون في  جامعة براون أن المستهلكين الأمريكيين أنفقوا ما مجموعه 64 مليار دولار إضافية على البنزين والديزل منذ اندلاع الحرب، أي ما يعادل نحو 486 دولارًا لكل أسرة، بينما قدّر معهد الضرائب والسياسة الاقتصادية (ITEP) ارتفاع فاتورة الوقود وحدها بنحو 427 دولارًا للأسرة.

مؤشرات على انفراج محدود

ورغم استمرار الضغوط، بدأت أسعار الوقود تشهد تراجعًا تدريجيًا خلال الأسابيع الأخيرة.

فبحسب بيانات AAA، انخفض متوسط سعر البنزين إلى 3.86 دولار للجالون مقارنة بـ 4.39 دولار قبل شهر، لكنه لا يزال أعلى بكثير من مستواه قبل اندلاع الحرب، حين بلغ نحو 2.98 دولار للجالون.

ويتوقع الخبير في شؤون الطاقة باتريك دي هان Patrick De Haan أن تهبط أسعار البنزين إلى أقل من 3 دولارات للجالون مع نهاية العام أو مطلع العام المقبل، إذا نجحت الولايات المتحدة وإيران في إنهاء الحرب واستقرت أسواق الطاقة.

غالبية الأمريكيين يشعرون بالأزمة

وتعكس استطلاعات الرأي حجم الضغوط التي تواجهها الأسر الأمريكية، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Gallup خلال يونيو أن نحو ثلثي الأمريكيين أكدوا أنهم تعرضوا لصعوبات مالية بسبب الارتفاع الأخير في أسعار الوقود.

الخلاصة

تكشف المؤشرات الاقتصادية أن الحرب الأمريكية الإيرانية لم تقتصر آثارها على الجوانب العسكرية والدبلوماسية، بل امتدت مباشرة إلى حياة المواطنين داخل الولايات المتحدة، من خلال ارتفاع أسعار الوقود والغذاء، وزيادة تكاليف الاقتراض والسفر، فضلاً عن الأعباء الناتجة عن الإنفاق العسكري. وبينما بدأت أسعار الطاقة تتراجع تدريجيًا، يرى خبراء أن أي تحسن مستدام سيظل مرهونًا بوقف التصعيد العسكري والتوصل إلى اتفاق دائم بين واشنطن وطهران.