دراسة تكشف انحياز الإعلام العالمي في تغطية أزمات إثيوبيا: التركيز على تيغراي وتجاهل أمهرة وأوروميا
كشفت دراسة أكاديمية حديثة أن وسائل الإعلام الدولية قدمت صورة “مبسطة ومختزلة” للصراعات المعقدة في إثيوبيا خلال السنوات الخمس الماضية، من خلال التركيز شبه الكامل على حرب تيغراي، مقابل تجاهل واسع للنزاعات الدامية في إقليمي أمهرة وأوروميا.
الدراسة، التي حللت تغطية أربع شبكات إعلامية عالمية كبرى هي “بي بي سي”، و”سي إن إن”، و”الجزيرة”، و”CGTN” الصينية، أشارت إلى أن الإعلام الدولي لعب دوراً كبيراً في تشكيل فهم العالم للأزمة الإثيوبية، لكنه في الوقت نفسه ساهم في تقديم رواية غير مكتملة عن واقع الصراع داخل البلاد.
هيمنة حرب تيغراي على التغطية
وبحسب نتائج الدراسة، فإن نحو 77% من التغطية الإعلامية الدولية ركزت على الحرب بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، التي اندلعت بين عامي 2020 و2022، بينما حصلت النزاعات في أمهرة على 2.7% فقط من التغطية، أما أوروميا فلم تتجاوز 0.4%.
ويرى الباحثون أن هذا التفاوت خلق انطباعاً لدى الرأي العام العالمي بأن أزمة إثيوبيا تتمحور حول تيغراي فقط، رغم استمرار أعمال العنف والانتهاكات الإنسانية في مناطق أخرى من البلاد.
وأكدت الدراسة أن تجاهل بعض الصراعات لا يعني غياب المعاناة على الأرض، بل يعكس انتقائية إعلامية في تحديد أي الأزمات تستحق الاهتمام الدولي.
تقارير سريعة بلا خلفيات
واحدة من أبرز نتائج الدراسة كانت اعتماد وسائل الإعلام الدولية على ما وصفه الباحثون بـ”التغطية الحدثية”، حيث ركزت معظم التقارير على الاشتباكات العسكرية والتصريحات السياسية والأزمات الإنسانية الطارئة، دون تقديم خلفيات تاريخية وسياسية تشرح جذور النزاع.
وأشار الباحثون إلى أن قضايا معقدة مثل الفيدرالية الإثيوبية، والصراعات العرقية، والتنافس على السلطة، والتوترات التاريخية بين الأقاليم، نادراً ما حظيت بتحليل معمق في التقارير الدولية.
وبحسب الدراسة، فإن غياب السياق جعل المشاهد والمتابع الدولي يتلقى صورة مبسطة عن أزمة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأبعاد السياسية والعرقية والأمنية والاقتصادية.
انتقادات للحكومة الإثيوبية
كما خلصت الدراسة إلى أن غالبية التغطيات الإعلامية كانت تميل إلى تقديم روايات تنتقد الحكومة الإثيوبية بشكل أكبر، مع اعتماد واسع على مصادر معارضة أو منتقدة للحكومة، مقابل حضور محدود للأصوات الرسمية أو وجهات النظر البديلة.
ورغم تأكيد الباحثين أن الصحافة النقدية جزء أساسي من العمل الإعلامي، إلا أنهم أشاروا إلى أن اختلال التوازن في اختيار المصادر قد يؤدي إلى تقديم صورة أحادية للأحداث.
الإعلام وتأثيره على القرارات الدولية
الدراسة أوضحت أن التغطية الإعلامية لا تؤثر فقط على الرأي العام، بل تلعب دوراً مباشراً في توجيه الاهتمام الدولي وصناعة القرار السياسي والإنساني.
فالحرب في تيغراي، على سبيل المثال، نوقشت أكثر من عشر مرات داخل مجلس الأمن الدولي، بينما لم تحظ النزاعات الأخرى بنفس القدر من الاهتمام أو التحرك الدولي.
ويرى الباحثون أن حجم التغطية الإعلامية غالباً ما يحدد مستوى الاستجابة الإنسانية والدبلوماسية، ما يعني أن الصراعات “غير المرئية إعلامياً” قد تبقى خارج دائرة الاهتمام العالمي رغم خطورتها.
دعوات لتغطية أكثر توازناً
وفي ختام الدراسة، دعا الباحثون وسائل الإعلام الدولية إلى تبني نهج أكثر شمولاً وتوازناً في تغطية الصراعات داخل إثيوبيا، مع ضرورة توسيع الاهتمام ليشمل المناطق المهمشة إعلامياً.
كما شددوا على أهمية تقديم سياقات تاريخية وسياسية تساعد الجمهور على فهم جذور الأزمات، بدلاً من الاكتفاء بالتغطية السريعة للأحداث اليومية.
وأكدت الدراسة أن إثيوبيا، باعتبارها دولة محورية في منطقة القرن الإفريقي، تمثل استقراراً مهماً للأمن الإقليمي والدولي، ما يجعل فهم تعقيدات أزماتها أمراً ضرورياً لصياغة سياسات أكثر دقة وفاعلية.