مهمة ترامب الفاشلة إلى الصين

انتهى استعراض بكين، ولم تُسفر محادثات دونالد ترامب مع شي جين بينغ عن أي إنجازات جوهرية، بل اقتصرت على التقاط صورٍ دعائيةٍ ودبلوماسيةٍ استعراضيةٍ دون أي نتائج ملموسة.

لم يصدر أي بيان ختامي في ختام اجتماعات ترامب وشي جين بينغ التي استمرت يومين. وبدلًا من ذلك، نعتمد على تصريحات كل حكومة. عند تحليل التصريحين، نجد تباينًا كبيرًا بينهما، والفجوات بينهما لا تقل أهميةً عن أوجه التشابه. بمقارنة ما يدّعيه كل طرفٍ حول ما نوقش، يتضح ما جرى فعليًا في القمة.

إن التباين بين التصريحين صارخٌ ومقصودٌ استراتيجيًا. فيما يلي بيان دقيق لما أكده البيت الأبيض، والذي أغفلته وزارة الخارجية الصينية تمامًا أو ذكرته بشكل مبهم للغاية:

 

  1. الحرب الإيرانية والأسلحة النووية – أغفلتها الصين

هذه هي الثغرة الأهم. فقد نص بيان البيت الأبيض صراحةً على ما يلي:

اتفق الجانبان على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا لدعم التدفق الحر للطاقة. كما أوضح الرئيس شي معارضة الصين لعسكرة المضيق وأي محاولة لفرض رسوم على استخدامه، وأبدى رغبته في شراء المزيد من النفط الأمريكي لتقليل اعتماد الصين على المضيق في المستقبل. اتفق البلدان على أن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووي مطلقًا.

في المقابل، اكتفى البيان الصيني بالقول إن “الجانبين ناقشا الصراع في الشرق الأوسط” دون تقديم أي تفاصيل إضافية – لا ذكر لمضيق هرمز، ولا رسوم العبور، ولا البرنامج النووي الإيراني، ولا إقرار بأي موقف متفق عليه بشأن أي من هذه القضايا.

هذا التناقض كبير. يؤكد البيت الأبيض أن الصين وافقت على أن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووي مطلقًا، وعارضت نظام رسوم العبور الإيراني. ويصوّر البيت الأبيض هذا على أنه تنازلات صينية كبيرة لم ترغب بكين في نسبها إليها علنًا. مع ذلك، ووفقًا لمصدر موثوق مطلع، رفض شي جين بينغ بشدة طلب ترامب من الصين ممارسة ضغوط على إيران والمساعدة في فتح مضيق هرمز.

 

  1. الفنتانيل – أغفلته الصين

أشار بيان البيت الأبيض تحديدًا إلى أن الجانبين ناقشا “معالجة تدفقات المواد الأولية للفنتانيل إلى الولايات المتحدة” – وهو مطلب أمريكي قديم من الصين لتقليل تدفق المواد الكيميائية الأولية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل. لم يأتِ البيان الصيني على ذكر الفنتانيل إطلاقاً، وهو ما يتوافق مع موقف بكين الثابت بأنها قد بذلت ما يكفي من الجهود في هذا الشأن، وترفض تصويره كمشكلة ثنائية.

 

  1. المشتريات الزراعية – أغفلتها الصين

أشار البيت الأبيض إلى أن الرئيسين ناقشا “زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية”. واكتفت الصين في بيانها بالحديث بشكل عام عن أن التجارة “مُفيدة للطرفين”، دون أي التزام مُحدد بشأن المشتريات الزراعية.  

 

  1. الوصول إلى السوق للشركات الأمريكية – عرض مُختلف تماماً

وصف البيت الأبيض الاجتماع بأنه تمحور حول “توسيع نطاق وصول الشركات الأمريكية إلى السوق الصينية، وزيادة الاستثمارات الصينية في الصناعات الأمريكية”. صاغ البيان الصيني هذا الأمر بصورة مختلفة تمامًا، إذ اعتبره بمثابة “فتح الصين أبوابها على مصراعيها” وفقًا لشروطها الخاصة، وليس استجابةً لمطالب الولايات المتحدة بالوصول إلى أسواقها.

 

  1. الوفد التجاري – معاملة غير متكافئة

أشار البيت الأبيض إلى أن “قادة من العديد من أكبر الشركات الأمريكية شاركوا في جزء من الاجتماع”، معتبرًا إياه لقاءً تجاريًا جوهريًا. وذكر البيان الصيني أن ترامب “طلب من كل واحد من قادة الأعمال المرافقين له تقديم أنفسهم للرئيس شي”، واصفًا الأمر بأنه مجرد تعريف مجاملة وليس نقاشًا تجاريًا جوهريًا.

 

  1. تايوان – مشكلة الصورة المعكوسة

يُعدّ التباين الأبرز في قضية تايوان هو التناقض الصارخ. فلم يأتِ بيان البيت الأبيض على ذكر تايوان إطلاقًا، بينما ركّزت الصين بيانها بالكامل على تحذير شي بشأن تايوان. وامتنع ترامب عن الإجابة على سؤال أحد الصحفيين حول ما إذا كان قد ناقش تايوان مع شي. وصرح روبيو لشبكة إن بي سي نيوز بأن الولايات المتحدة “لا تطلب مساعدة الصين بشأن إيران”، وهو تصريح يُعارض ضمنيًا ما ذكره البيت الأبيض. بدا أن البيان يشير إلى تعاون صيني.  

 

الخلاصة

أصدر كلا الجانبين بيانات تفصيلية حول ما ناقشه ترامب وشي، لكنها لا تتطابق إلا في جوانب محدودة. وتتباين البيانات بشكل حاد بشأن إيران – حيث تدّعي الولايات المتحدة وجود التزامات صينية محددة رفضت الصين الاعتراف بها – وبشأن تايوان، حيث وجّهت الصين تحذيرات صريحة امتنعت الولايات المتحدة عن ذكرها.

هذا النمط دبلوماسي كلاسيكي: كل طرف ينشر بياناً يخدم مصالحه السياسية الداخلية ويعزز موقفه التفاوضي. أرادت الصين أن يرى العالم شي جين بينغ وهو يوجه تحذيرات شديدة اللهجة بشأن تايوان. بينما أرادت واشنطن أن يرى العالم الصين توافق على أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً، وتعارض نظام الرسوم الذي تفرضه إيران. وسواء أكان أي من هذين التنازلين حقيقياً أم مجرد ادعاء، فإن هذا التباين في البيانات يكشف الكثير.

 

الإطار الاستراتيجي

استهل شي جين بينغ خطابه بإطار فلسفي شامل: “يشهد العالم تحولًا لم نشهده منذ قرن، ويتسارع هذا التحول، والوضع الدولي متقلب ومضطرب”. ووجه ثلاثة أسئلة مباشرة إلى ترامب: هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز مأزق ثوسيديدس، وبناء نموذج جديد للعلاقات بين الدول الكبرى؟ هل نستطيع مواجهة التحديات العالمية معًا، وتوفير مزيد من الاستقرار للعالم؟ هل نستطيع بناء مستقبل مشرق لعلاقاتنا الثنائية؟

أعلن شي جين بينغ أن الزعيمين اتفقا على “رؤية جديدة لبناء علاقة صينية أمريكية بناءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي”، مُعرّفًا إياها بدقة: “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء يعني استقرارًا إيجابيًا قائمًا على التعاون، واستقرارًا صحيًا قائمًا على المنافسة ضمن حدود معقولة، واستقرارًا دائمًا مع اختلافات يمكن إدارتها، واستقرارًا مستدامًا مع سلام مُتوقع”. وقال إن هذا الإطار “سيوفر توجيهًا استراتيجيًا للعلاقات الصينية الأمريكية خلال السنوات الثلاث المقبلة وما بعدها”، وشدد على أن: “بناء علاقة صينية أمريكية بناءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي ليس مجرد شعار، بل هو عملٌ في الاتجاه نفسه”.

 

التجارة والاقتصاد

صرح شي جين بينغ بأن “العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والولايات المتحدة ذات منفعة متبادلة ومربحة للطرفين. وحيثما توجد خلافات أو احتكاكات، فإن التشاور المتكافئ هو الخيار الأمثل”. قال إن الفريقين الاقتصادي والتجاري حققا “نتائج متوازنة وإيجابية عموماً” في المحادثات التحضيرية التي جرت في اليوم السابق، وإن “الصين ستفتح أبوابها على مصراعيها. وتشارك الشركات الأمريكية بشكل فعّال في إصلاحات الصين وانفتاحها”.

 

القنوات العسكرية والدبلوماسية

دعا شي الجانبين إلى “تحسين استخدام قنوات الاتصال في المجالات السياسية والدبلوماسية والعسكرية”، وإلى “توسيع التبادل والتعاون في مجالات مثل الاقتصاد والتجارة والصحة والزراعة والسياحة والعلاقات الشعبية وإنفاذ القانون”.

 

تايوان – أشدّ العبارات حدةً في البيان

كان شي واضحًا لا لبس فيه: “إنّ قضية تايوان هي أهمّ قضية في العلاقات الصينية الأمريكية. إذا تمّ التعامل معها بشكلٍ سليم، فستنعم العلاقات الثنائية باستقرارٍ شامل. وإلا، فسيحدث صدامٌ بين البلدين، بل وصراعات، ممّا يُعرّض العلاقة برمّتها لخطرٍ كبير. إنّ استقلال تايوان والسلام عبر مضيق تايوان أمران لا يُمكن التوفيق بينهما كالنار والماء. إنّ الحفاظ على السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان هو القاسم المشترك الأكبر بين الصين والولايات المتحدة. يجب على الجانب الأمريكي توخّي الحذر الشديد في التعامل مع قضية تايوان.”

 

القضايا الدولية

يشير البيان إلى أنّ الرئيسين “تبادلا وجهات النظر حول قضايا دولية وإقليمية رئيسية، مثل الوضع في الشرق الأوسط، والأزمة الأوكرانية، وشبه الجزيرة الكورية” – لكنّه لم يُقدّم أيّ تفاصيل إضافية حول أيّ من هذه المواضيع في النصّ الصيني الرسمي.

 

منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) ومجموعة العشرين

اتفق الرئيسان على دعم بعضهما البعض في استضافة اجتماع ناجح لقادة الاقتصاد في منظمة أبيك وقمة مجموعة العشرين هذا العام.

 

التقييم الختامي لوانغ يي – 15 مايو

صرح وزير الخارجية الصيني وانغ يي لوسائل الإعلام الرسمية: “كان هذا اجتماعًا هامًا، حيث أجرى رئيسا الدولتين مباحثات معمقة وحققا نتائج ملموسة”، واصفًا إياه بـ”الاجتماع التاريخي”. وأشاد بشكل خاص بالتقدم المحرز في القضايا التجارية والاقتصادية. كما أكدت وزارة الخارجية الصينية أن الرئيس شي جين بينغ سيزور الولايات المتحدة هذا الخريف بناءً على طلب الرئيس دونالد ترامب.

 

أما فيما يتعلق بإيران، فإن الصين وروسيا تعملان في الخفاء – مستخدمتين باكستان كواجهة – على بناء بنية أمنية جديدة للخليج العربي. ويتمثل الجهد الحالي في إقناع السعودية وقطر بقطع العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة فعليًا، والدخول في اتفاقية استراتيجية تضمنها روسيا والصين. إذا استمرت السعودية وقطر في منع الولايات المتحدة من استخدام قواعدهما ومجالهما الجوي لشنّ سلسلة جديدة من الهجمات ضد إيران، فقد تُضطر الولايات المتحدة إلى إلغاء الضربات المخطط لها.

 

sonar21