الصومال في “مشروع الردع الإسرائيلي الجديد”

قراءة في تصريحات المؤرخ إيلان بابيه وسياقاتها الجيوسياسية

تناول المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية، إيلان بابيه، في تصريحات حديثة له (يناير 2026)، التحولات الجارية في السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه منطقة القرن الأفريقي، وتحديداً إقليم “أرض الصومال” (صومالي لاند). يرى بابيه أن التقارب الإسرائيلي الأخير مع هذا الإقليم، والذي وصل إلى حد الاعتراف الرسمي، يمثل ركيزة أساسية فيما أسماه “مشروع الردع الإسرائيلي الجديد”. يأتي هذا المشروع كمحاولة استراتيجية من تل أبيب لإعادة بناء صورتها العسكرية والسياسية التي تضررت بشكل كبير في أعقاب حرب غزة، ومن أجل تأمين موطئ قدم استراتيجي في البحر الأحمر لمواجهة التهديدات الإقليمية المتصاعدة.

سياق “مشروع الردع الجديد” بعد حرب غزة

وفقاً لتحليل بابيه، فإن حرب غزة الأخيرة أحدثت تصدعاً عميقاً في “عقيدة الردع” الإسرائيلية التقليدية. هذا التصدع لم يقتصر على الجبهة الفلسطينية فحسب، بل امتد ليشمل صورة ما يسمى “إسرائيل” أمام القوى الإقليمية والدولية. ومن هنا، برزت الحاجة إلى “مشروع ردع جديد” يتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية ليشمل:
1.التمدد الجيوسياسي: البحث عن حلفاء جدد في مناطق حيوية بعيدة عن الحدود المباشرة.
2.تطويق الخصوم: محاولة الالتفاف على نفوذ القوى المعادية (مثل إيران وحلفائها في اليمن) من خلال التواجد في نقاط خنق بحرية.
3.استعراض القدرة على المبادرة: إثبات أن “إسرائيل” لا تزال قادرة على تغيير الخرائط السياسية والاعتراف بكيانات جديدة رغم الضغوط الدولية.

الأهمية الاستراتيجية لأرض الصومال (صومالي لاند)

يرى بابيه أن اختيار “أرض الصومال” لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة تقاطع مصالح استراتيجية كبرى:
•أمن البحر الأحمر وباب المندب: في ظل الهجمات المستمرة من قبل جماعة الحوثي في اليمن، تسعى “إسرائيل” لتأمين ممرات الملاحة الدولية. التواجد في أرض الصومال يمنح “إسرائيل” “نافذة” مباشرة على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر.
•الموقع العسكري: تسعى “إسرائيل” للحصول على تسهيلات عسكرية أو موطئ قدم استخباري قبالة السواحل اليمنية، مما يسمح لها بمراقبة التحركات البحرية والجوية في المنطقة بشكل أدق.
•الاعتراف المتبادل: يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (الذي تم في أواخر ديسمبر 2025) سابقة دبلوماسية تهدف إلى كسر العزلة الإقليمية وبناء تحالفات خارج إطار “اتفاقيات أبراهام” التقليدية.

محور (إسرائيل – إثيوبيا – أرض الصومال)

تشير بعض التقارير إلى أن هذا التقارب يندرج ضمن تشكيل محور إقليمي جديد يضم إثيوبيا أيضاً. فإسرائيل تدعم رغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء “بربرة” في أرض الصومال. هذا المحور يهدف إلى:
1.موازنة النفوذ المصري والتركي: حيث ترى “إسرائيل” في التواجد المصري والتركي في الصومال (مقديشو) تهديداً لمصالحها، فتسعى لخلق توازن عبر دعم الإقليم الانفصالي.
2.خلق “قوة وكيلة”: الاعتماد على حلفاء محليين لضمان أمن السفن المتجهة إلى ميناء إيلات، مما يقلل من الحاجة للتدخل العسكري المباشر والمكلف.

رؤية إيلان بابيه: “المرحلة الأخيرة من الصهيونية”

يربط بابيه هذه التحركات بنظريته الأوسع حول “انهيار المشروع الصهيوني” أو دخوله في مرحلته الأخيرة. ويرى أن:
•هذه التحركات هي “هروب إلى الأمام”؛ حيث تحاول “إسرائيل” تعويض تآكل شرعيتها الأخلاقية والسياسية بانتصارات دبلوماسية وعسكرية “وهمية” أو بعيدة المدى.
•مشروع الردع الجديد هو محاولة لفرض واقع جديد بالقوة والتحالفات الأمنية، متجاهلاً الجذور الحقيقية للصراع في الداخل الفلسطيني، وهو ما يراه بابيه استراتيجية غير مستدامة على المدى الطويل.

تمثل تصريحات إيلان بابيه تحذيراً من تحول الصومال (وتحديداً أرض الصومال) إلى ساحة صراع دولي جديد تكون “إسرائيل” طرفاً فاعلاً فيه.
إن “مشروع الردع الجديد” ليس مجرد خطة عسكرية، بل هو إعادة صياغة للدور الإسرائيلي في النظام الإقليمي، يهدف إلى استعادة الهيبة المفقودة وتأمين المصالح الحيوية في ممرات التجارة العالمية، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار منطقة القرن الأفريقي.
فكيف ستكون مآلات هذا التخطيط بوجود معارضة عقدية وجهادية للصهاينة في الصومال؟

 

عبد الغني أحمد