صومالي لاند عند مفترق طرق

بصفتي صومالياً، أجد نفسي في حيرة أمام العاصفة غير المبرَّرة من التعاطف اليهودي التي تجتاح بعض أبناء صومالي لاند، يقودها قلة من الأفراد الخارجين عن الصف، إلى درجة أن جذور نسبهم باتت موضع تساؤل. كان الرئيس الأسبق لصومالي لاند، محمد إبراهيم عقال، هو من بدأ المسار عبر رسالة بعثها إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين في 3 يوليو 1995. زعم عقال أن اليهود وأبناء صومالي لاند “كان بينهم روابط قوية” تعود إلى ما قبل مجيء الإسلام، وأن “الثقافة العبرية في صومالي لاند، والأساطير اليهودية وقواهم الصوفية” مقبولة على نطاق واسع وتحظى بالاحترام.

وفي سعيه لإيجاد أرضية مشتركة، جادل عقال بأن صومالي لاند، شأنها شأن إسرائيل، “مهدَّدة” بقوى الإسلاميين السوداء. وكدرع حماية، شدّد على أن “الشريعة الإسلامية العتيقة” لن تُطبَّق في صومالي لاند لأنها “لا تعكس احتياجات شعبي الذي يتطلع لأن يصبح مجتمعاً حديثاً”. وختم رسالته بكلمات: “شالوم، لي الشرف أن أبقى، خادمكم المطيع”.

وفي سياق مشابه، وإن كان الهدف مجرد لفت نظر إسرائيل، اقترح ف. حسين احتمال وجود صلة نسبية منسية بين الشعبين في مقاله “إسرائيل وصومالي لاند: إخوة ضائعون منذ زمن بعيد؟”. كما كتب المدوّن عبد الرحمن م. ديرييه في مقاله “الحضور التاريخي لليهود في صومالي لاند” أن “…بحارة صومالي لاند ساعدوا في إعادة اليهود إلى أرض الميعاد خلال الحرب العالمية الثانية…”، كما أشار إلى أنه أثناء حرب الأيام الستة، كان شعب صومالي لاند “غير راضٍ” عن الرئيس الصومالي الأسبق سياد بري لإرساله “لحم البقر المعلَّب والموز الطازج إلى جيش العمالقة العرب”.

بالإضافة إلى ذلك، أثارت المقالة التي كتبتها مستشارة وزارة الداخلية البريطانية السابقة، نيمكو علي، المولودة في صومالي لاند، بعنوان: “أنا أقف مع إسرائيل، لماذا يظن الناس أن كوني سوداء ومسلمة يمنعني؟”، قلقاً بشأن تجاهل الأضرار التي لحقت بالجالية اليهودية… ما يطرح سؤالاً: كما اقترح ف. حسين، هل يمتلك أبناء صومالي لاند حقاً أصولاً يهودية؟ أم أنهم يستكشفون روايات غريبة كوسيلة لكسب الاعتراف؟

بالنسبة للكثيرين، لا يُنظر إلى هذا التحوّل المفاجئ في الولاءات كخيانة عقدية. بل إن صومالي لاند تعيد تشكيل هويتها الثقافية بنشاط عبر رفض القيم المشتركة التي كانت تربطها بالصومال، وخاصة عبر تحدي الأعراف الإسلامية التقليدية. وعلى الرغم من أن أبناء صومالي لاند لا يزالون في معظمهم من المسلمين السنة، إلا أن القادة السياسيين يروّجون لإسلام مُفصَّل على المقاس، وجداني، منزوع من التفسير الوهابي في الصومال، محصور داخل المساجد، ومتزامن مع الطموح الوطني لنيل الاعتراف الدولي. ومع صعود القومية، لم يعد الإسلام عاملاً موحداً.

أحدث جدل حول الشهادة (عبارة: لا إله إلا الله محمد رسول الله) على علم صومالي لاند مثالاً صارخاً على التباين التام بين الإسلام والقومية العاطفية. فقد شجب الشيخ مصطفى الاستخدام غير المناسب للشهادة على العلم، مطالباً المطابع بحذفها حفاظاً على قدسيتها. وعلى النقيض، رأى الوزير خضر حسين عبدي أن فتوى الشيخ مصطفى تهدد الهوية الوطنية، وأصرّ على بقاء الشهادة في العلم. وباختصار، يُصر الشيخ مصطفى على وجوب التزام الإدارة بالشريعة الإسلامية، بينما يرى الوزير خضر أن على الإسلام أن يتكيّف مع السياسات الحكومية. والفكرة هي فصل الدين عن شؤون الدولة؛ غير أن الشريعة الإسلامية، بخلاف النصرانية، لا تعترف بأي سلطة أو التزامات تُمنح لحكام علمانيين أو للدولة.

تمثال طائرة الميغ المقاتلة في وسط هرجيسا لا يعمل فقط كتذكير يومي بالماضي القبيح الذي يغذي الوحدة والإصرار، بل يُستخدم أيضاً كأداة للحد من وجهات النظر البديلة. فقد أيّد كثير من أبناء صومالي لاند وجهة نظر الشيخ مصطفى لكنهم ظلوا صامتين خشية أن يُوصموا بأنهم “وحدويون”، لأن أي شيء يحمل رائحة الصومال يُساوى تلقائياً بعدو الدولة. كان ذلك الضغط العاطفي هو ما ساهم في نجاح الوزير خضر، لا العلم الديني.

السياسيون على استعداد لعقد صفقات مشبوهة أخلاقياً في سعيهم وراء الاعتراف، وتشير تقارير إلى أن مثل هذه المفاوضات تجري حالياً. هناك مخاوف كبيرة بشأن احتمال نقل المرحَّلين من غزة إلى صومالي لاند. وبينما يؤيد الشعب القضية الفلسطينية في مجملها، يستغل السياسيون الصدمات التاريخية لتعزيز أهدافهم السياسية. فكما اضطهد بري عشيرة الإسحاقيين، يريد هؤلاء الآن حرمان الفلسطينيين من وطنهم مقابل الاعتراف، وهم شعب لا علاقة له بفظائع الماضي، وإنما مجرد تحدٍ لإعادة الوحدة مع الصومال.

كان بري زعيماً متقلباً يحكم وفق أهوائه الشخصية. وأي تدخل في دائرة راحته كان يقود إلى عواقب وخيمة، بما فيها فقدان الأرواح. ورغم تحمّله المسؤولية الكاملة عن النتائج المأساوية، إلا أن المنظور الإسلامي يراها عقاباً إلهياً غطّى الشعب الصومالي كله بسبب انحرافاتهم الأخلاقية، وقد تجلّى ذلك في أفعال بري. قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [ الشورى: 30]. فالكوارث التي تصيب الناس إنما هي كفّارات لذنوبهم، لا عقاباً فحسب، بل مسار فداء نحو التجديد الروحي. فهل تظن أن الله كان ليسمح لطاغية مثل بري أن يذبح الأبرياء ويشرّد الكثيرين دون حكمة إلهية أوسع؟

للأسف، ما زال كثيرون يعانون من “جفاف روحي” هو سبب مشكلاتهم أساساً. فبدلاً من التوبة ومحاولة فهم الأسباب الحقيقية لكوارثهم، يسبحون في أوهام الحياة من خلال عدسات الغرب، ناسين أنه لا يمكن للمرء أن يكون مسلماً وديمقراطياً في الوقت نفسه.

عادة ما تدفع الأوقات العصيبة الناس للتفكير وطلب التغيير، ما يقود إلى نظرة جديدة للإيمان. لكن بعد 21 عاماً من الدكتاتورية، يبدو أن الصوماليين تعلموا فقط الدوران في دائرة مفرغة مثل فأر في عجلة. لقد دمّر بري حياتنا الدنيوية، والسياسيون الحاليون المنغمسون في الفساد يحاولون سلب آخر ما تبقى في قلوبنا: الشهادة، ونحن على وشك فقدانها هي الأخرى.

وبالنظر إلى حجم العنف، فمن الطبيعي أن يكون ضبط النفس العاطفي صعباً، والنقمة المستمرة لدى بعضهم مبرَّرة إلى حد ما. لكن، تبنّي المثال الليبرالي الغربي بالكامل من أجل مكاسب سياسية، مع تهميش الشريعة أو اختزال الإسلام إلى مجموعة من القوانين الأخلاقية الشكلية، أمر غير مقبول من منظور إسلامي.

لم تكن الحال دائماً بهذا السوء. فمثلاً، وحّدت سلطنة إسحاق القبائل الصومالية تحت قيادة إسلامية، وازدهرت في القرن الأفريقي من منتصف القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر. بعد سقوط سلطنة عدل، برزت كقوة سياسية وثقافية كبرى. تأسست نحو عام 1750 بعد تتويج السلطان غوليد عبدي من قبيلة عيداغاله عقب معركة لافاروغ، وأظهرت السلطنة صموداً وقيادة. حكم غوليد حتى عام 1808، وخلفه ابنه فرح الذي جسّد حكمه وعود الدولة ومشكلاتها الداخلية في آن واحد.

وفي القرن التاسع عشر، توسعت القوى الأوروبية في المنطقة، مما أعاد إحياء التوترات القديمة. جاء رد السلطنة على هجوم عام 1825 على السفينة البريطانية “ماري آن” بحصار ومعاهدة أكدت استقلالها. كما أظهر كمين عام 1855 ضد المستكشف ريتشارد بورتون إصرارها على حماية سيادتها وتجارته. ومع ذلك، فإن النزاعات القبلية الداخلية والضغوط الخارجية أضعفت وحدتها تدريجياً.

إن صعود سلطنة هبر يونس واحتلال مصر المؤقت لبربرة في سبعينيات القرن التاسع عشر أضعف نفوذها. وبحلول عام 1884، أصبحت المنطقة جزءاً من محمية الصومال البريطانية، وإن احتفظت أسرة “آل غوليد” بالسلطة الرمزية. وكان السلطان ديرية حسن شخصية بارزة في أواخر عهد السلطنة، إذ دعم حركة الدراويش وقاوم الاحتلال حتى وفاته عام 1939.

في عام 1945، قاد الشيخ بشير من قبيلة هبر جعَلو انتفاضة قومية متجذرة في النهضة الإسلامية. وإذ اعتبر الحكم البريطاني تهديداً للدين والحرية، حظي بمؤيدين من خلال تعاليمه في بورعو وإيريقافو. ورغم قلة عدد أتباعه، استخدموا حرب العصابات وتضاريس طغدير الوعرة لصالحهم.

وبعد القبض عليه وإعدامه، انسحبت القوات البريطانية إلى المدن الساحلية مثل بربرة، وفقدت السيطرة على الداخل. لم تكن معركته مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت أيديولوجية وروحية وعميقة الجذور في الهوية الصومالية والنهضة الإسلامية.

يظل إرث سلطنة إسحاق، إلى جانب نضال الشيخ بشير الديني، حياً في التاريخ الصومالي، ليس فقط عبر التقدير المستمر، بل أيضاً عبر المساهمات السياسية والثقافية الدائمة. هذه السيرة ترمز إلى الصمود والاستقلال والبطولة النادرة التي صيغت في تحدٍ للقوى الإمبراطورية التي فاقت مواردها مواردهم. ومع ذلك، وفي مناخ سياسي مشوَّه اليوم، هناك من يرغب في تصوير هؤلاء القادة النبلاء كمتطرفين أو إرهابيين، فقط لأنهم قاوموا الاحتلال الأوروبي. مثل هذا التصوير ليس ظلماً فحسب، بل هو خطأ تاريخي، لأن الصوماليين لم يكونوا هم من هبطوا إلى بورتسموث بالسلاح، بل البريطانيون هم من هبطوا عسكرياً إلى بربرة.

في الختام، ورغم أن الوحدة صفة محمودة، فإن تقرير المصير يبقى في نهاية المطاف بيد أبناء صومالي لاند، ولكن دون التضحية بالإسلام. القلق أن الاعتراف المنتظر، إذا تحقق، قد يقود الإدارة الجديدة، مثل مصطفى كمال أتاتورك، إلى رفض كل القيم الإسلامية باسم الإصلاحات الديمقراطية، واقتراح تشريعات تمحو التراث الثقافي والديني للشعب جذرياً. وكما في تركيا، سيغدو الإسلام مجرد تقديس صوفي يُمارس خارج ساعات العمل، بدلاً من كونه قوة موجهة.

بدلاً من تهميش القوة الروحية التي شكّلت كيان صومالي لاند الثقافي، ينبغي على السياسيين أن يجمعوا بين حماسة الناس الدينية ورغبتهم في التقدم الدنيوي، من دون قطع الصلة التاريخية التي صاغت وجودهم وجعلتهم قبيلة نبيلة. وبذلك، تحتاج صومالي لاند إلى تبني إطار الدولة الإسلامية، شكل من أشكال الحكم السماوي ذي الاعتراف الإلهي؛ فلا حاجة بها لتأييد نتنياهو، كما اقترح عبد الرحمن م. ديرييه في مقاله “الحضور التاريخي لليهود في صومالي لاند”.

تطبيق الشريعة الإسلامية ليس مهمة سهلة، لأن الغرب يرى العالم فقط من خلال عدسة تجاربه الثقافية وتاريخه، وخارجها يُوصَف الأمر حتماً بالإرهاب. قد يبدو ذلك مخالفاً للرؤى السائدة، لكن صومالي لاند مهيأة للنجاح، فلديها كل الأسس اللازمة. وحتى إن لم تبلغ غايتها الدينية فوراً، فإن الرحلة بحد ذاتها نصر.

فمثلاً، حاول الشيخ بشير ذلك؛ دفع حياته ثمناً من دون أن يحقق هدفه أو يطرد العدو الأجنبي عن وطنه. لكن فشله كان محصوراً في ساحة المعركة، لا متجذراً في قصور لاهوتي. فالهزيمة ليست في فقدان الحياة، بل في التخلي عن القناعة. وهذا هو السبب في أن إرث الشيخ بشير ما زال مصدر إلهام دائم بين الشعب.

وأخيراً، كما تقول العبارة: “Wixii diin ah, Dirir waydii”، أي: “فيما يخص أمور الدين، اسأل دِرِير”. هذه ليست مجرد مقولة مألوفة؛ إنها نداء إلهي. ففي زمن تعيد فيه العلمانية تشكيل الهويات وتختبر حدود الإيمان، لا يكون الصمت خياراً، خصوصاً بالنسبة للعلماء. أيها الشيخ الكريم، ما حكم الإسلام في دستور علماني؟

جمال عبد الله عرالي

نيروبي، كينيا

كانت هذه ترجمة لمقالة للكاتب باللغة الأنجليزية بعنوان:

 SOMALILAND AT THE CROSSROADS

SOMALILAND AT THE CROSSROADS

ترجمة المقال في ملف بي دي أف

صومالي لاند عند مفترق طرق