مستقبل النظام الإيراني وتداعياته الإقليمية
نتناول فيما ها هنا، قراءة في مستقبل النظام الإيراني، وتداعيات هذا المستقبل سواء استمر النظام أو سقط، على الساحة الإقليمية.
يمثل مستقبل النظام الإيراني، سواء في سيناريو بقائه أو سقوطه، أحد أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيداً وحساسية في منطقة الشرق الأوسط. فإيران، بفضل موقعها الاستراتيجي وعمقها الأيديولوجي وامتداد نفوذها الإقليمي عبر شبكة من الوكلاء، تظل لاعباً محورياً يؤثر استقراره أو عدمه بشكل مباشر على الأمن القومي لدول الجوار والعالم . وبما أن حديث الساعة تغلب عليه التكهنات بحرب وشيكة وتدخلات أمريكية قريبة، فلنحاول سبر أغوار هذه القضية برصد السيناريوهات المرتقبة لمستقبل الحكم في طهران، مع استعراض الإيجابيات والسلبيات المترتبة على كل حالة، وتوضيح الأسباب الكامنة وراء قلق الأنظمة الإقليمية من احتمالية انهيار النظام الحالي.
سيناريو بقاء النظام الإيراني
يفترض هذا السيناريو أن النظام الإيراني، بقيادته الحالية أو بانتقال قيادة معقد ومحكوم، سيتمكن من تجاوز التحديات الداخلية والخارجية، مستخدماً أدواته الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري وقوات الباسيج، لقمع أي احتجاجات واسعة . وقد يتجه النظام إلى خيار التشدد كآلية للبقاء، مما يعني عسكرة الحياة اليومية وتصعيد القمع الداخلي. ولهذا الاتجاه سلبيات وإيجابيات. ومن سلبياته:
استمرار التوتر والاحتقان، باستمرار التدخل في شؤون الدول المجاورة، ودعم الميليشيات التابعة لمحور ما يسمى المقاومة، مما يغذي الصراعات الإقليمية.
ويحمل هذا الاتجاه خطر المواجهة العسكرية المباشرة مع الاحتلال اليهودي وداعمه الأمريكي، مما يهدد بتحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، قابل للاشتعال في أي لحظة. بغض النظر عن مبررات ذلك.
كما يعني استمرار العقوبات الدولية وتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية داخل إيران، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار على المدى الطويل وكل ذلك لا يصب في صالح معالجة المطالب الشعبية المتأزمة.
أما إيجابيات هذا الاتجاه، فهي تقرأ من منظور إقليمي، بالقدرة على التنبؤ، حيث يفضل البعض “عدوا نعرفه ونرقبه” خير من عدو جديد لا ندري ما يضمره، والنظام الإيراني الحالي يمكن فهم حساباته وتوقع ردود أفعاله ما يسمح بإدارة المخاطر الناتجة عن ذلك.
واستمراره يعني إمكانية ضبط وكلائه، فوجود سلطة مركزية في طهران قادرة على ضبط الميليشيات التابعه لها كحزب الله والحوثيين، يسمح بمساحة من المناورة والتأثير في تحركاتها المحلية والإقليمية.
استمرار هذا النظام يعني أيضا من منظور إقليمي، تجنب سقوط المنطقة في الفوضى، التي قد تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، ما يسمح بالحفاظ على الاستقرار النسبي في أسواق النفط العالمية.
وبالنظر لهذه الإيجابيات نفهم موقف الأنظمة المحلية الرافضة لتدخل أمريكي يمكن أن يؤدي إلى سقوط النظام الإيراني، فغالبا مخاوفها تنبع من أن يجر هذا السقوط إلى حالة من الفوضى يصعب التحكم فيها وأذرع تحمل أيديولوجيا ولاية الفقيه، لا يمكن التنبؤ بخطواتها، في حالة انتقام وإصرار على الإفساد على الجميع.
سيناريو سقوط النظام الإيراني
يعد سيناريو سقوط النظام الإيراني، سواء عبر ثورة شعبية أو انقلاب عسكري، السيناريو الأكثر دراماتيكية والأكثر إثارة للجدل. وهو كحال السيناريو السابق، له سلبياته وإيجابياته، أما سلبياته فتتخلص في:
حالة الفوضى والفراغ الذي سينشأ عن سقوط النظام حيث تتحول إيران إلى “دولة فاشلة” على غرار سيناريو العراق أو ليبيا، مع تفكك مؤسسات الدولة وفقدان السيطرة المركزية .
وحالة الحرب الأهلية والتفكك المتوقعة نتيجة صراعات عرقية وإثنية (الأكراد، البلوش، العرب) مع رصيد مثقل من التراكمات والمظالم، قد تؤدي إلى تفكك الدولة الإيرانية ونشوء كانتونات متحاربة .
وأزمة اللجوء التي سيتسبب فيها نزوح ملايين اللاجئين الإيرانيين نحو دول الجوار، مما يشكل ضغطاً هائلاً على البنية التحتية والأمن في دول الخليج وتركيا .
أما من حيث الإيجابيات فهناك احتمالية نشوء نظام سياسي جديد أقل حدة من حيث الأيديولوجيا وحب التوسع وطموحات الإمبراطورية، يتوقف عن تصدير الثورة، ويركز على الداخل ومشاكل الشعب بغض النظر عن منطلقاته وآلياته.
يرافقه من الإيجابيات إضعاف وتفكيك مركزية نفوذ إيران في العواصم العربية كبيروت، ودمشق، وبغداد، وصنعاء، مما يفتح الباب أمام تسويات سياسية للأزمات الإقليمية.
كما أن هناك فرصة الانفتاح الاقتصادي بانفتاح السوق الإيراني الضخم على الاستثمارات العالمية، مما يعزز الاقتصاد الإقليمي.
لماذا تخاف الأنظمة المحلية اليوم من سقوط نظام إيران؟
على الرغم من التنافس والصراع الأيديولوجي والسياسي بين النظام الإيراني وبعض الأنظمة الإقليمية، فإن الأخيرة تنظر إلى احتمالية سقوطه بقلق بالغ. هذا القلق لا ينبع من التعاطف مع النظام، بل من مبدأ إدارة المخاطر وتفضيل “الشيطان الذي نعرفه” على المجهول .
1.الخوف من الفوضى الشاملة: إن الانهيار المفاجئ لإيران، وهي دولة ذات تركيبة إثنية ومذهبية معقدة، يهدد بإطلاق العنان لفوضى أمنية واسعة النطاق. وتخشى الأنظمة الإقليمية من انتقال عدوى الفوضى والاضطرابات الداخلية إلى أراضيها، خاصة مع وجود أقليات ذات صلة عرقية أو مذهبية.
2.تحول الميليشيات إلى إرهاب غير مركزي: في حال سقوط السلطة المركزية في طهران، فإن الميليشيات والوكلاء التابعين لها في المنطقة (كحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن) قد يتحولون إلى جماعات مستقلة وأكثر عنفا، يصعب السيطرة عليها أو التنبؤ بتصرفاتها، مما يزيد من التوتر الإقليمي .
3.تغير التوازنات الجيوسياسية: تخشى بعض الدول من أن يؤدي سقوط النظام إلى صعود نظام موالٍ بالكامل للولايات المتحدة والاحتلال اليهودي. هذا التحول قد يغير خريطة التحالفات الإقليمية، ويقلص من الدور الاستراتيجي لدول الخليج في الحسابات الدولية، ويمنح كيان “إسرائيل” نفوذاً واسعاً في المنطقة .
4.مخاطر الهجرة وتسلل السلاح: يمثل احتمال تدفق موجات هجرة عشوائية من إيران إلى دول الخليج، بالإضافة إلى تسرب الأسلحة المتطورة، تهديداً مباشراً للأمن القومي والاستقرار الداخلي لهذه الدول .
السيناريوهات المرتقبة لمستقبل الحكم في إيران
يمكن تلخيص مستقبل الحكم في إيران في ثلاثة مسارات رئيسية، تتوقف على عوامل داخلية (تماسك النخبة، قوة الاحتجاجات) وخارجية (الضغوط الدولية، التدخل العسكري) :
1.سيناريو البقاء الأكثر تشدداً: يتمكن النظام من قمع الاحتجاجات، لكنه يدفع ثمن ذلك بزيادة عسكرة الدولة والاعتماد الكلي على الحرس الثوري. هذا المسار يضمن بقاء النظام على المدى القصير، لكنه يفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويجعل البلاد في حالة “حرب أهلية منخفضة الحدة” .
2.سيناريو الانتقال المعقد: يحدث هذا السيناريو في حال غياب المرشد الأعلى. حيث تبرز حالة من التنافس بين المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية (مجلس الخبراء والحرس الثوري) لاختيار خليفة. هذا التوازن قد يؤدي إلى صراعات داخلية بين التيارات المحافظة والبراغماتية، وقد يفتح الباب لـ “انفتاح محدود” يهدف لامتصاص الغضب الشعبي دون تغيير جوهري في بنية النظام .
3.سيناريو الانهيار الشامل والفراغ: وهو السيناريو الأسوأ، حيث يؤدي تضافر الضغوط الداخلية (الاحتجاجات) والخارجية (الضربة العسكرية أو العقوبات) إلى انهيار مفاجئ للنظام. هذا الانهيار سيفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي واسع، قد يؤدي إلى تفكك الدولة على أسس عرقية، وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط سياسياً واقتصادياً وسط فوضى إقليمية شاملة .
الخلاصة
إن مستقبل النظام الإيراني يمثل نقطة تحول حاسمة في تاريخ ما يسمى الشرق الأوسط. فبين خطر الاستمرارية العدوانية للنظام الحالي وما يترتب عليها من توترات إقليمية مستمرة، وخطر الانهيار الكارثي الذي يهدد بفوضى شاملة وحروب أهلية وأزمات لجوء، تظل المنطقة في حالة ترقب وقلق. تظهر التحركات الدولية أن الأنظمة الإقليمية تفضل الاستقرار النسبي الذي يوفره النظام الحالي القابل للتفاوض وإدارة المخاطر، على المجهول الذي قد يجلبه انهيار دولة بحجم إيران. وفي كل الأحوال، يبقى السؤال الأهم، هل ستكون المنطقة مستعدة لتداعيات سقوط أو استمرار النظام الإيراني الذي يحمل أيديولوجيا تغذي طموحاته التوسعية؟
سعد فداء