أوغندا 2025: غابة النفط وسيف “الدكتاتورية” العتيد

تدخل أوغندا عام 2025 وهي تواجه واحدة من أخطر لحظات تاريخها الحديث؛ لحظة تفاعل فيها عاملان متضاربان: انطلاق تصدير النفط لأول مرة، وتصاعد استبداد النظام الذي يحكمه “الرئيس الأبدي” يوري موسيفيني. الصورة التي تتراءى للمراقب ليست صورة دولة تزدهر بثرواتها، بل صورة “دولة تختنق” تقبض على أنفاس شعبها بينما يعتلي القائد عرشاً من حراب الجيش ومشاريع ابنه.

 

واقع 2025.. عام الذهب الأسود والجيوب الفارغة

من الناحية الاقتصادية، يُعتبر 2025 عام “الانطلاق” لأوغندا كدولة مصدرة للنفط مع بدء التدفق الكامل عبر خط الأنابيب (EACOP) المتنازع عليه. لكن هذا التطور الاقتصادي يأتي مغلفاً بسياسات قاسية:

سياسة القبضة الضريبية الخانقة: في محاولة لتمويل المشاريع الضخمة وتعزيز جيش الأمن، يواصل النظام سياساته الجباوية التي تتصف بالعشوائية والقسوة، حيث تُفرض ضرائب باهظة على المعاملات الرقمية وخدمات الاتصالات، مما يُثقل كاهل الطبقة العاملة والشباب، ويكشف أن “الازدهار الموعود” لا يصل للمواطن العادي.

التهجير البيئي والاجتماعي: لإفساح المجال للنفط، لجأت الحكومة إلى سياسات إخلاء قسرية للسكان من المناطق الغنية بالنفط، دون تعويضات عادلة، مما أوجد نواة لسخط شعبي عميق في مناطق “البونديبوجيو” و”هوما”.

الاعتماد المفرط على الصين: أوغندا غارقة في ديون ضخمة بكين لتمويل البنية التحتية النفطية، مما يجعل سياساتها الاقتصادية مرهونة بإرادة الدائنين الخارجيين، مما قد يدفعها لبيع أصول سيادية لاحقاً.

 

مستنقع الفضائح.. النظام يأكل نفسه

عام 2025 شهد استمرار وتصاعد الفضائح التي لم تعد تخجل الحكومة منها، بل باتت جزءاً من منهجيتها في الفساد المنظم:

فضيحة ألواح الحديد (Iron Sheets): رغم أن الفضيحة اندلعت سابقاً، إلا أن تداعياتها لا تزال تلقي بظلالها في 2025. تورط كبار الوزراء في سرقة ألواح حديدية مخصصة لفقراء السكان كان كارثة معنوية كشفت أن النظام ليس فقط قمعياً، بل “لصوصياً” من الأعلى.

تجارة الأراضي وسرقة المساعدات: تقارير دولية متكررة كشفت عن تحويلات مالية مشبوهة من ميزانيات المساعدات الإنسانية والمنح الصحية إلى حسابات موالية للنخبة الحاكمة، وتحويل مزارع الشباب إلى مزارع تابعة لكبار الضباط في الجيش.

تورط العائلة الحاكمة: تزايدت الأصوات المنتقدة لدور “صهر الرئيس” وابنه “موهوزي كاينيراباغا” في السيطرة على المفاصل الاقتصادية، من تعدين الذهب إلى الصادرات الزراعية، مما حول الدولة إلى “شركة مساهمة عائلية”.

 

وضع الرئيس “الدكتاتوري” والوريث الصاعد

القلب النابض للأحداث في أوغندا يظل هو الرئيس يوري موسيفيني. في عام 2025، يبدو الرجل الذي حكم لأكثر من 4 عقود وكأنه يعيش في حالة إنكار للواقع.

تكميم الأفواه: استمرت حملات الاعتقالات التعسفية، وحظر نشاطات أحزاب المعارضة، وإغلاق وسائل الإعلام الناقدة. النظام لا يرى في المعارضة شريكاً بل “خونة” يجب إسكاتهم بالقوة.

تهديد الوريث: الحديث الأكثر سخونة في 2025 هو “موهوزي”. الصراع الخفي داخل دوائر الحكم حول من سيخلف موسيفيني وصل إلى ذروته. موسيفيني، رغم تقدمه في العمر، لا يزال يرفض التنازل صراحة، فيما يتصرف ابنه كرئيس فعلية، يعقد صفقات دولية ويتدخل في سياسة الجيران، مما يخلق جواً من “الملكية العسكرية” القابلة للانفجار في أي لحظة.

 

سيناريوهات عام 2026.. هل ينهار البنيان؟

مع اقتراب الانتخابات العامة في 2026، تتعدد السيناريوهات لكنها تلتقي عند نقطة الخطر:

سيناريو “التزوير الدموي” (الأكثر ترجيحاً): لن يسمح النظام بالخسارة. السيناريو المتوقع هو خوض انتخابات شكلية، يعلن فيها موسيفيني أو ابنه الفوز بنسبة ساحقة. سيتلوها موجة من الاعتقالات الواسعة للنشطاء (مثل بوبي واين)، مع قمع أي احتجاجات في المهد، مما قد يؤدي إلى اشتباكات عنيفة في العاصمة كمبالا.

سيناريو “الانقسام العسكري”: في حال قرر موسيفيني فجأة ترشيح نفسه مرة أخرى وبدأ يتراجع عن دعم ابنه، قد يؤدي ذلك إلى انقسام داخل الجيش الأوغندي، بين المؤسسة التقليدية والقيادات الموالية لـ “موهوزي”، مما قد يدفع البلاد نحو فوضى أمنية لا تحمد عقباها.

سيناريو “الضغط الاقتصادي الدولي”: إذا ازدادت جرائم الفساد وقمع الحقوق، قد تمارس المجتمع الدولية والمانحون ضغوطاً اقتصادية حقيقية، مما يؤدي إلى انهيار قيمة الشلن وتوقف المساعدات، وهو ما قد يغضب الشارع ويدفعه للثورة من شدة المعيشة وليس من أجل السياسة فقط.

 

الخلاصة

اختُتم عام 2025 في أوغندا وسط توترات سياسية وأمنية واضحة مع اقتراب الانتخابات العامة في يناير 2026، حيث صادقت اللجنة الانتخابية على ترشيح الرئيس يويري موسيفيني (81 عامًا) لولاية جديدة رغم الجدل حول فترات الحكم الطويلة، ويواجه منافس قوي في شخصية المعارض بوبي واين الذي حظي بدعم شريحة كبيرة من الشباب.
على الصعيد السياسي الداخلي، أثارت قوانين مثيرة للجدل مثل تمرير محاكمات عسكرية للمدنيين انتقادات حقوقية واسعة، معتبرة أنها تقوّض سيادة القانون وتستهدف معارضي الحكومة في سياق الانتخابات المقبلة.

من جهة أخرى، واجهت أوغندا ضغطاً إنسانياً واقتصادياً كبيراً بسبب نقص التمويل الدولي لأزمة اللاجئين التي تستضيفها البلاد، حيث تستضيف ما يقارب 1.9 مليون لاجئ من أنحاء أفريقيا، ورغم سياسة الاستضافة التقدمية، انخفضت الموارد ما أدى إلى تقليص المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية وسط مخاوف من أزمات إنسانية متفاقمة.
في السياسة الخارجية، ظلت أوغندا وسط انتقادات متبادلة مع جيران مثل جنوب السودان بسبب اتهامات بانتهاك حظر الأسلحة في النزاع هناك، ما يعكس هشاشة الأمن الإقليمي وتأثيره على الاستقرار الأوغندي.

مع دخول عام 2026، تواجه أوغندا مزيجاً معقداً من الضغوط: انتخابات رئاسية حاسمة قد تزيد الاستقطاب السياسي، تحديات غذائية ونقص التمويل لللاجئين، ومخاوف من ارتفاع الديون العامة التي تضغط على الخدمات الاجتماعية. في الوقت نفسه، هناك مؤشرات على تعزيز الاستقرار الأمني النسبي وزيادة الاستثمارات والتعاون الدولي، ما قد يساعد البلاد على تجاوز بعض نقاط الضعف إذا توافرت الإرادة السياسية والحوار الوطني الحقيقي.

أوغندا في 2025 ليست على حافة الهاوية، بل تتدحرج فيها ببطء. الرئيس الدكتاتور، المتمسك بالسلطة، والمدفوع بطموحات ابنه، حول البلاد إلى مقبرة للمؤسسات الدستورية. الذهب الأسود قد يثري جيوب النخبة الحاكمة، لكنه لن يغير حقيقة أن أوغندا تتجه نحو 2026 وهي تعلق فوق برميل من البارود.

 

عبد الغني أحمد