إثيوبيا في عام 2025: تحديات الداخل وطموحات البحر الأحمر

شهدت إثيوبيا خلال عام 2025 استمراراً لدوامة من التحديات الداخلية المتصاعدة، بالتوازي مع تحركات جيوسياسية جريئة تهدف إلى تأمين منفذ بحري، مما جعلها في قلب التوترات الإقليمية في القرن الأفريقي . لقد كان عام 2025 عاماً مفصلياً، حيث تداخلت فيه النزاعات الداخلية مع الأجندة الاقتصادية الإصلاحية الطموحة، في ظل تحالفات دولية متغيرة.

1. أبرز المحطات المؤثرة في عام 2025

1.1. استمرار النزاعات الداخلية والحروب

على الرغم من انتهاء الصراع في تيغراي، ظلت إثيوبيا تعاني من حالة عدم استقرار أمني واسعة، مما وضعها في المرتبة 138 من أصل 163 دولة في مؤشر السلام العالمي لعام 2025 .

•صراع أمهرا (فانو): استمرت المواجهات بين القوات الحكومية الإثيوبية (ENDF) وميليشيات “فانو” في إقليم أمهرا. كانت أبرز المحطات المؤثرة هي استخدام الطائرات المسيرة بشكل مكثف ضد الميليشيات، حيث سجلت حادثة في أبريل 2025 في بلدة “غيديب” أدت إلى مقتل ما يزيد عن 100 شخص، مما سلط الضوء على تزايد الاعتماد على القوة الجوية في الصراعات الداخلية .

•نزاع أوروميا (OLA): تصاعدت حدة الهجمات الانتقامية التي نفذها جيش تحرير أورومو (OLA)  خاصة ضد الأعضاء السابقين الذين استجابوا لدعوات الحكومة للاستسلام. مما عكس استمرار حالة الانقسام والهشاشة الأمنية في الإقليم .

•الوضع السياسي في تيغراي: في خطوة ذات دلالة سياسية، قام مجلس الانتخابات الوطني الإثيوبي في مايو 2025 بإلغاء تسجيل جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) كحزب سياسي، مما أشار إلى استمرار التوتر السياسي بين المركز والإقليم رغم اتفاقية السلام .

2.1. الوضع الاقتصادي والإصلاحات

تبنت الحكومة الإثيوبية أجندة إصلاح اقتصادي طموحة، مدعومة جزئياً من صندوق النقد الدولي، بهدف تحقيق الاستقرار الكلي والنمو القطاعي .

•تدهور العملة: كانت أبرز محطة اقتصادية هي التخفيض الحاد في قيمة العملة المحلية، حيث انخفضت قيمة “البير” الإثيوبي بنسبة تقريبية بلغت 120% مقابل الدولار الأمريكي حتى أبريل 2025، في محاولة لمعالجة التقييم المفرط للعملة .

•الضغوط المالية: استمرت البلاد في مواجهة ضغوط مالية كبيرة، وقيود على النقد الأجنبي، وتضخم مرتفع، مما شكل تحدياً كبيراً لجهود تحقيق الاستقرار الاقتصادي. ومع ذلك، أشارت التوقعات إلى أن أجندة الإصلاح بدأت تؤتي ثمارها في نهاية العام، مع توقعات بنمو اقتصادي يتراوح بين 7-8% لعام 2026 .

3.2. الأطماع نحو البحر والتحركات الجيوسياسية

شكل السعي الإثيوبي للحصول على منفذ بحري آمِن ومستدام المحور الأبرز في السياسة الخارجية لعام 2025.
•مذكرة التفاهم مع أرض الصومال: استمرت تداعيات مذكرة التفاهم الموقعة مع أرض الصومال، والتي تهدف إلى منح إثيوبيا منفذاً بحرياً وقاعدة عسكرية مقابل اعتراف محتمل بأرض الصومال. وقد نجحت إثيوبيا في رفع هذا المطلب من مجرد رغبة إلى “أجندة دبلوماسية معترف بها دولياً” .
•التوتر الإقليمي: أدت هذه الخطوة إلى تصعيد التوتر مع الصومال، الذي اعتبر الاتفاق انتهاكاً لسيادته، ومع مصر، التي رأت فيه تهديداً لمصالحها في القرن الأفريقي. في المقابل، قامت مصر بتعزيز علاقاتها مع إريتريا وجيبوتي، ووقعت اتفاقيات لتطوير موانئ استراتيجية مثل عصب ودريه، في خطوة تهدف إلى ممارسة ضغط إقليمي على أديس أبابا .

2. الدول التي تساند إثيوبيا في سياساتها

اعتمدت إثيوبيا على شبكة من التحالفات الاستراتيجية لتأمين دعمها العسكري والاقتصادي والسياسي، خاصة في ظل سعيها لتأمين المنفذ البحري وتحديث قواتها المسلحة.
الدولة الداعمة
نوع الدعم والمجال
ملاحظات
الإمارات 
دعم مالي، استثمارات، تعاون أمني، وتزويد بالطائرات المسيرة.
شريك محوري في القرن الأفريقي، وداعم رئيسي للاستقرار الاقتصادي الإثيوبي .
تركيا
تعاون عسكري، وتزويد بالطائرات المسيرة (Bayraktar TB2).
تلعب دوراً في موازنة النفوذ الإقليمي، وتدعم القدرات العسكرية الإثيوبية .
روسيا
تعاون عسكري تقني، ودعم دبلوماسي في المحافل الدولية.
تم تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مايو 2025، خاصة في مجالات الدفاع .
إيران
تعاون أمني، وتزويد بالطائرات المسيرة.
وقعت إثيوبيا اتفاقيات أمنية مع إيران، مما يوسع من مصادر دعمها العسكري .
الصين
استثمارات ضخمة، ودعم للبنية التحتية، وشريك اقتصادي أساسي.
تظل الصين شريكاً حيوياً للاقتصاد الإثيوبي، خاصة في مشاريع التنمية الكبرى .
الهند
شراكة استراتيجية متنامية.
أشارت زيارة رفيعة المستوى في ديسمبر 2025 إلى تحول العلاقة نحو شراكة استراتيجية أعمق .

3. السيناريوهات المتوقعة في عام 2026

من المتوقع أن يظل عام 2026 عاماً حافلاً بالتقلبات، حيث تتوقف مسارات الأحداث على كيفية إدارة أديس أبابا للتوازنات الداخلية والإقليمية.

3.1. سيناريو “الاستقرار الهش والنمو الاقتصادي” 

•النزاعات: لن تتطور النزاعات الداخلية إلى حرب شاملة، بل ستستمر كصراعات محلية متقطعة في أمهرا وأوروميا، مما يمنع الانهيار الكامل ولكنه يعيق التنمية .

•الاقتصاد: نجاح نسبي في تثبيت الاستقرار الماكرو-اقتصادي، واستمرار النمو الاقتصادي المتوقع (7-8%)، مدفوعاً بالاستثمارات الأجنبية والدعم من الشركاء الدوليين.

•البحر الأحمر: استمرار التوتر الدبلوماسي حول المنفذ البحري، مع تجنب الصدام العسكري المباشر. قد يتم التوصل إلى “اتفاقية إقليمية جديدة” في الربع الأول من 2026، تتضمن تنازلات متبادلة أو ترتيبات إقليمية أوسع لإدارة الموانئ .

3.2. سيناريو “التصعيد الإقليمي” 

•النزاعات: انهيار المفاوضات مع الصومال أو إريتريا، مما يؤدي إلى تصعيد عسكري محدود أو حرب بالوكالة، خاصة في الصومال، الذي قد يصبح مسرحاً للصراع بين إثيوبيا ومصر .
•الاقتصاد: تدهور الأوضاع الاقتصادية بسبب هروب رؤوس الأموال وتفاقم أزمة النقد الأجنبي والتضخم، نتيجة لعدم الاستقرار الإقليمي.
•التحالفات: تشكيل تحالف إقليمي مضاد (مصر، الصومال، إريتريا) بدعم من قوى إقليمية أخرى، يهدف إلى احتواء النفوذ الإثيوبي وعرقلة طموحاتها البحرية .

3.3. سيناريو “التحول الداخلي” 

•النزاعات: نجاح الحكومة في التوصل إلى تسوية سياسية شاملة مع القوى المعارضة الرئيسية في أوروميا وأمهرا، مما يحرر الموارد للتركيز على التنمية.
•السياسة الخارجية: تجميد مؤقت لأجندة المنفذ البحري والتركيز على الدبلوماسية الاقتصادية الإقليمية، مثل تفعيل ممرات النقل البرية (LAPSSET) لتقليل التوتر مع الجيران .

 

خلاصة

بحلول نهاية عام 2025، تظل إثيوبيا في حالة توتر داخلي مستمر نتيجة تراكمات سياسية وأمنية منذ الحرب الكبرى في إقليم تيغراي (2020–2022)، التي تركت البلاد ممزقة بنزاعات إقليمية مستمرة في أمهرة وأوروميا وأجواء من عدم استقرار قد تعيد إشعال الصراعات السابقة. أدت عمليات مسلّحي فانو في أمهرة وتجدّد الاحتكاكات العرقية والسياسية إلى زيادة العنف المدني ومقتل المئات ونزوح أعداد كبيرة من السكان، في حين لا يزال تنفيذ اتفاق السلام في تيغراي هشًا ومحل نزاع بين الحكومة الفدرالية والقوى المحلية، مما يزيد من صعوبة استعادة الاستقرار الكامل. 

على الصعيد الإقليمي، يعكس سعي حكومة آبي أحمد للحصول على وصول بحري عبر البحر الأحمر تحوّلًا جيوسياسيًا ذا مخاطر عالية، إذ أثار هذا التوجه توترًا متصاعدًا مع إريتريا حول حقوق الوصول إلى الموانئ، وسط مخاوف من احتمال تفجر صراع جديد بين البلدين رغم نفي أديس أبابا المواجهة العسكرية.

أما عام 2026 فيبدو أنه سيُشكل اختبارًا حاسمًا لاستدامة السلام في البلاد: التحديات الرئيسية تشمل احتمال توسّع النزاعات الداخلية أو تجددها مع استمرار الخلافات حول تنفيذ اتفاقيات السلام، وضرورة احتواء التوترات الإثنية والسياسية عبر حلول دستورية شاملة. كما أن استمرار التطورات في الصومال والبحر الأحمر يلقي بظلاله على الأمن الإقليمي، وقد يدفع إثيوبيا إلى إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية وسط ضغوط دبلوماسية ولوجستية.

في هذا السياق، السياسة الداخلية لآبي أحمد قد تشهد شدّ حبال بين تعزيز السلطة المركزية ومحاولات المصالحة مع الفاعلين الإقليميين، وفي الوقت نفسه هناك توقعات بأن الضغوط الدولية نحو تسوية سياسية حقيقية وحوار شامل سيصبح أكثر إلحاحًا في 2026 لضمان أن تكون إثيوبيا مستقرة ومقوّاة وإلا فهي أمام تكرر تجارب النزاع والاقتتال والانزلاق في مستنقع الفوضى.

عبد الغني أحمد