الأطماع الثلاثية في شمال الصومال: “إسرائيل “وأمريكا وإثيوبيا على شاطئ واحد
تشهد السواحل الشمالية للصومال، خاصة المناطق التي يديرها كيان “أرض الصومال” صوماليلاند، تصاعدًا كبيرًا في التحركات الدولية، تقودها قوى ثلاثية تتمثل في الولايات المتحدة، “إسرائيل”، وإثيوبيا، وهو ما بات يثير قلقًا كبيرًا لدى المراقبين والمهتمين بمستقبل المنطقة.
وسائل الإعلام الغربية، خصوصًا الأمريكية منها ومراكز الأبحاث المرتبطة بالمؤسسات الغربية، كثفت في الآونة الأخيرة نشر تقارير ودراسات تتناول أهمية الموقع الاستراتيجي لشمال الصومال، ضمن مخطط واسع للسيطرة الجيوسياسية والاقتصادية، عبر توظيف أدوات التطبيع والدبلوماسية السرية وربما القواعد العسكرية، بغية تسهيل تمدد النفوذ الإسرائيلي في شرق إفريقيا.
أحد أبرز هذه التقارير جاء من مؤسسة Atlantic Council الأمريكية، ضمن مقال نُشر على منصة MENASource تحت عنوان: “التقارب الممكن بين إسرائيل وصوماليلاند وأثره على البحر الأحمر”، حيث يبدأ المقال بإبراز الأهمية الجغرافية الفائقة لشمال الصومال، لا سيما في المناطق الساحلية الخاضعة لإدارة صوماليلاند، ودور هذا الموقع في جذب القوى الغربية والإقليمية وفي مقدمتها “إسرائيل” والولايات المتحدة.
الدراسة تربط بين “اتفاقيات أبراهام” التي وقعتها بعض الدول العربية مع “إسرائيل” عام 2020، وتلمح إلى أن صوماليلاند كانت مرشحة لأن تكون طرفًا فيها نظرًا لأهميتها الاستراتيجية، كونها تطل على باب المندب وتتموضع عند تقاطع طرق التجارة البحرية العالمية.
تشير الوثيقة إلى أن نحو ثلث تجارة العالم تمر من هذا المعبر، مما يجعله مطمعًا للقوى الكبرى. ولهذا فإن مراكز الأبحاث الأمريكية تحاول تهيئة الرأي العام لقبول انخراط “إسرائيل” وشركائها في هذه المناطق الحساسة.
كما تشير الدراسة إلى أن “إسرائيل” والولايات المتحدة تنظران إلى صوماليلاند باعتبارها فرصة استراتيجية للتعاون، وتقترح فتح مكاتب تمثيلية متبادلة بين الجانبين كخطوة أولى نحو اعتراف دبلوماسي رسمي. بالمقابل، تأمل صوماليلاند أن يؤدي هذا التقارب إلى حصولها على اعتراف دولي طال انتظاره.
وتبرز الوثيقة وجود علاقات غير رسمية حالية بين صوماليلاند وكل من الولايات المتحدة، الإمارات العربية المتحدة، وتايوان، حيث توجد مكاتب تمثيلية لهذه الدول في مدينة هرجيسا.
أما إثيوبيا، فتلعب دورًا ثالثًا في هذا التحالف غير المعلن، إذ تربطها بصوماليلاند علاقات اقتصادية متنامية، خاصة في ما يتعلق باستخدام ميناء بربرة كمنفذ أساسي لتجارتها. وتشير الدراسة إلى أن إثيوبيا تستهدف استقبال أكثر من نصف مليون حاوية سنويًا عبر هذا الميناء.
وتذكر الوثيقة أن العلاقات بين “إسرائيل” وصوماليلاند ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى عام 1960 عندما اعترفت “إسرائيل” بصوماليلاند قبل أن تتحد مع باقي الصومال. ومنذ ذلك الحين، ظل التواصل قائمًا عبر قنوات غير رسمية، وظهرت دعوات متكررة في السنوات الأخيرة من الطرفين لإحياء هذا المسار.
وتشير الدراسة إلى تصريحات متجددة من مسؤولين في “إسرائيل” وصوماليلاند تؤكد الانفتاح المتبادل، منها مقابلة في أبريل 2025 مع وزير خارجية صوماليلاند الذي أبدى فيها استعداده لإقامة علاقات طبيعية مع “إسرائيل”.
وتسعى “إسرائيل” إلى تقديم نفسها كشريك اقتصادي وتنموي، حيث تقترح تنفيذ مشاريع في قطاعات المياه والزراعة والصحة داخل صوماليلاند، وتفعيل المنظمات الإسرائيلية غير الحكومية مثل “أنقذ قلب طفل”، لتقوية الروابط الإنسانية والترويج لصورة إيجابية لدى السكان المحليين.
ومن بين أخطر ما ورد في التقرير، الإشارة إلى احتمال أن تسمح صوماليلاند لإسرائيل بإنشاء قاعدة استخباراتية أو بحرية على أراضيها، وهو ما يعزز من قدرة “إسرائيل” على مراقبة باب المندب والتحكم في التجارة الإقليمية.
تشير الدراسة أيضًا إلى معارضة محتملة من دول كالصين وتركيا وإيران والحوثيين، ما يستدعي من “إسرائيل” أن تتعامل بحذر دبلوماسي مع هذا التوسع حتى لا تفجر توترات إقليمية أوسع.
وفي الجانب الاقتصادي، ترى الدراسة أن هذا التعاون قد يفتح لصوماليلاند أسواقًا جديدة ويسهم في حل مشكلاتها التنموية، من خلال إنشاء سلاسل إمداد تربط ميناء بربرة بموانئ “إسرائيل” على البحر المتوسط، وتخدم الشركاء الإقليميين، خصوصًا إثيوبيا.
لكن التحدي الأكبر يبقى في الاعتراف الدولي، حيث تؤكد الدراسة أن الاتحاد الإفريقي لا يزال يرفض فكرة استقلال صوماليلاند، خوفًا من تشجيع الانفصال في دول إفريقية أخرى.
وترى الدراسة أن العقبة هذه يمكن تجاوزها بدفع أمريكي مشابه لما حدث مع المغرب حين اعترف ترامب بسيادة الرباط على الصحراء الغربية، مقابل تطبيعها مع “إسرائيل”.
وفي هذا السياق، تدعو الدراسة “إسرائيل” إلى تسريع تحالفها مع صوماليلاند، من خلال افتتاح مكاتب تمثيلية في تل أبيب وهرجيسا، والمضي قدمًا في مشاريع تنموية وإنسانية تعزز العلاقات الشعبية والرسمية، وتمنح “إسرائيل” موقعًا استراتيجيًا جديدًا في القرن الإفريقي.
كما تذكر الدراسة أن بعض وسائل الإعلام الأمريكية القريبة من التيار اليميني بدأت تدفع الرئيس السابق دونالد ترامب إلى الاعتراف بصوماليلاند، باعتباره فرصة استراتيجية تخدم مصالح أمريكا وتحد من نفوذ الجماعات الإسلامية في المنطقة.
في ختام التقرير، تحذر الوثيقة من أن الأطماع المتزايدة لإسرائيل وأمريكا وإثيوبيا قد تدفع المنطقة نحو توترات مشابهة لما يحدث في فلسطين، إذا لم يتم التصدي لهذه المشاريع التي تستهدف وحدة الصومال وسيادته.
وترى الدراسة أن ما يُخطط له لشمال الصومال قد يكون نموذجًا جديدًا للتطبيع مقابل التفكك، في ظل صمت إقليمي ودولي لافت، وغياب واضح للدور العربي والإسلامي في حماية الصومال من مشاريع الهيمنة الجديدة.