تأثير التحركات الأمريكية على الصراع العالمي والإقليمي  

يمر النظام الدولي بمرحلة تحول عميقة، تتسم بتصاعد حدة الصراعات الإقليمية وتآكل قواعد النظام التعددي. في هذا السياق، تمثل التحركات الأمريكية، خاصة في ظل الإدارة الحالية، عاملاً حاسماً في تشكيل مسارات هذه الصراعات. سنحاول تسليط الضوء على تأثير السياسة الخارجية الأمريكية، التي تتسم بالنهج غير التقليدي والتركيز على مبدأ “أمريكا أولاً”، على الساحة العالمية والإقليمية. حيث تشير التحليلات إلى أن هذا النهج، رغم قدرته على تحقيق “صفقات سريعة” في بعض بؤر التوتر، فإنه يزيد من حالة عدم اليقين الجيوسياسي، ويقوض التحالفات التقليدية، ويدفع نحو إعادة تشكيل النظام العالمي على أساس سياسة مناطق النفوذ والمواجهة الاقتصادية المباشرة.

التأثير على الصراع العالمي وإعادة تشكيل النظام الدولي

تتميز التحركات الأمريكية الحالية بتبني استراتيجية “الواقعية” التي تتخلى عن عقيدة الهيمنة العالمية لصالح التركيز على المصالح الوطنية المباشرة، مما يؤدي إلى نتائج متناقضة على مستوى الصراع العالمي .

1. تآكل التحالفات وتراجع التعددية

أدت السياسات الأمريكية إلى اختبار حقيقي لمصداقية التحالفات الدولية، حيث يرى العديد من المراقبين أن الولايات المتحدة أصبحت “قوة مارقة مفترسة” .
•إضعاف المؤسسات الدولية: تم تقليص التمويل المخصص لوكالات الأمم المتحدة وقوات حفظ السلام، مما يقلل من قدرة المجتمع الدولي على احتواء الصراعات .
•سياسة مناطق النفوذ: الميل نحو فرض نفوذ صريح في نصف الكرة الغربي (مثل الغزو المزعوم لفنزويلا والتهديد بضم غرينلاند) يعيد إحياء عقيدة “مونرو” بشكل فج، مما يرسل إشارات مختلطة إلى الحلفاء في أوروبا وآسيا .

2. تصعيد المواجهة الاقتصادية (سلاح التعريفات)

تستخدم الإدارة الأمريكية التعريفات الجمركية كأداة “سلاح” سياسي لفرض تنازلات سياسية وأمنية، مما يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي .
•الحرب التجارية مع الصين: رغم التوصل إلى اتفاقيات تجارية واقتصادية في أواخر عام 2025، إلا أن التهديد بفرض تعريفات جمركية شاملة (تصل إلى 140% في بعض الحالات) على السلع الصينية لا يزال قائماً . هذا الضغط يهدف إلى تسريع عملية فصل سلاسل التوريد عن الصين، مما يؤدي إلى تباطؤ متوقع في نمو التجارة العالمية في عام 2026 .
•الضغط على الخصوم: تم فرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على الشركاء التجاريين لإيران، بهدف الضغط على طهران اقتصادياً وسياسياً .

التأثير على الصراعات الإقليمية الرئيسية

تظهر التحركات الأمريكية تأثيراً مباشراً ومتبايناً على المناطق الساخنة، حيث تتراوح بين التدخل العسكري المباشر والصفقات الدبلوماسية غير التقليدية.

1. الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تتسم السياسة الأمريكية في المنطقة بالتركيز على احتواء النفوذ الإيراني وتأمين المصالح الإسرائيلية، مع استخدام القوة العسكرية المباشرة وغير المباشرة.
•التصعيد مع إيران والحوثيين: أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتبادلة إلى زيادة خطر التصعيد الإقليمي، خاصة في ظل غياب خطوط حمراء واضحة للتدخل .
•الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: أدت جهود الإدارة الأمريكية إلى “وقف إطلاق نار قبيح” في غزة، يترك النزاع الجوهري دون حل، مع استمرار الضربات الإسرائيلية ومنع إعادة الإعمار، مما يمثل حلاً مؤقتاً وغير مستدام .
•سوريا: تميزت بتحرك غير تقليدي تمثل في الانفتاح على الرئيس الجديد لسوريا (أحمد الشرع) وتقديم إعفاءات من العقوبات، مما يمثل خروجاً عن سياسة العزلة السابقة .

2. أوروبا الشرقية (أوكرانيا وروسيا)

تتجه الإدارة الأمريكية نحو محاولة إبرام صفقات مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مما يثير قلق الحلفاء الأوروبيين بشأن مستقبل السيادة الأوكرانية . هذا النهج يهدد بتقويض الجبهة الغربية الموحدة وترك النزاع في أوكرانيا في حالة من “الغموض الاستراتيجي” الذي يخدم المصالح الروسية على المدى الطويل.

3. منطقة آسيا والمحيط الهادئ (الصين وتايوان)

رغم التوترات التجارية، يرى بعض الخبراء أن خطر الصراع العسكري المباشر حول تايوان منخفض نسبياً في عام 2026 . ومع ذلك، فإن التحركات الأمريكية غير التقليدية في مناطق أخرى (مثل فنزويلا) تمنح الصين “دروساً عملية” في التخطيط العسكري والجيوسياسي لاحتمال استخدام القوة ضد تايوان .

التحديات والمخاطر الجيوسياسية للتحركات الأمريكية

المجال
التأثير الحالي للتحركات الأمريكية
المخاطر الجيوسياسية لعام 2026
الردع العسكري
استخدام القوة العسكرية بشكل متكرر وغير متوقع (إيران، فنزويلا) .
تآكل الردع في مناطق أخرى (مثل تايوان) بسبب الإشارات المختلطة وعدم الوضوح الاستراتيجي .
الاستقرار الإقليمي
صفقات سلام سريعة وغير مستدامة (غزة، الكونغو-رواندا) .
تحول الصراعات إلى “حروب صغرى” عالية التأثير، مع غياب الحلول الشاملة .
النظام الاقتصادي
استخدام التعريفات الجمركية كسلاح سياسي .
تباطؤ التجارة العالمية، وزيادة التضخم في الولايات المتحدة، وتفكك سلاسل التوريد العالمية .
التحالفات
إضعاف الثقة في الحلفاء التقليديين (أوروبا، اليابان) .
دفع الحلفاء للبحث عن استراتيجيات “استقلال ذاتي” بعيداً عن المظلة الأمريكية.

تؤكد التحركات الأمريكية الحالية على تحول جذري في السياسة الخارجية، من “شرطي العالم” إلى “لاعب براغماتي” يركز على المصالح المباشرة. هذا التحول يساهم في زيادة حالة “الفوضى المنظمة” في النظام الدولي. فبينما قد تنجح الإدارة الأمريكية في تحقيق مكاسب تكتيكية قصيرة المدى (مثل صفقات وقف إطلاق النار أو الضغط الاقتصادي)، فإنها تخاطر بتقويض الأسس التي قام عليها الاستقرار العالمي لعقود، مما يفتح الباب أمام حقبة جديدة من الصراعات التي تتسم بالتحول نحو الحروب الهجينة، وسياسة مناطق النفوذ، والمواجهة الاقتصادية المباشرة بين القوى الكبرى .

 

 

ساجد العمري