تحليل جيوسياسيّ لمستقبل المنطقةِ: الرؤية الإسرائيلية للتوسّع الإقليميِّ وواجب يقظة المسلمين

تشهدُ المنطقةُ الإفريقية والشرقُ أوسطيةُ مَرحلةً من التحوُّلاتِ الاستراتيجيةِ التي تُعيدُ رسمَ الخرائطِ، حيثُ تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي بخطواتٍ ثابتةٍ ومُمنهَجةٍ إلى توسيعِ نفوذِها الإقليميِّ.
هذا التوسُّعُ لا يقتصرُ على القوةِ العسكريةِ المباشرةِ، بل يتغلغلُ عبرَ أدواتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ واستخباراتيةٍ مُتعدِّدةٍ، هدفُها الأسمى هو تثبيتُ موقعِها الاستراتيجيِّ كقوةٍ إقليميةٍ مهيمنةٍ، وتقليصُ أيِّ تهديداتٍ وجوديةٍ مُحتملةٍ.
إن التقديراتِ الأخيرةَ بشأنِ استخدامِ مطارِ برّبرةَ في الصومالِ كقاعدةٍ عسكريةٍ إسرائيليةٍ تقعُ في صميمِ هذهِ الاستراتيجيةِ، وتستدعي قراءةً جيوسياسيةً مُتعمِّقةً تُلامسُ جوهرَ التحدِّي.
أولاً: استراتيجيةُ التوسُّعِ الإسرائيليِّ: الأبعادُ الثلاثةُ للهيمنةِ
تَرتكزُ الرؤيةُ الإسرائيليةُ للتوسُّعِ على ثلاثةِ محاورَ رئيسيةٍ تُشكِّلُ شبكةَ نفوذٍ مُحكمةٍ:
-
التحالفاتُ الإقليميةُ غيرُ التقليديةِ:
تجاوزتْ دولة الاحتلال الإسرائيلي دائرةَ الجوارِ التقليديِّ لِتُقيمَ تحالفاتٍ استراتيجيةً معَ دولٍ لم تكنْ في حسبانِها، خاصةً في الخليجِ وشرقِ إفريقيا. هذهِ التحالفاتُ لا تقومُ على المصالحِ العابرةِ، بل على تبادلِ المعلوماتِ الاستخباراتيةِ، والدعمِ العسكريِّ والتقنيِّ، ومُحاربةِ النفوذِ الإيرانيِّ كقاسمٍ مُشتركٍ. إنها استراتيجيةُ تفكيكِ الجبهاتِ عبرَ إقامةِ جسورِ مصالحَ مُشتركةٍ معَ أطرافٍ كانتْ تُعدُّ تاريخياً جزءاً من العمقِ العربيِّ.
-
التمدُّدُ العسكريُّ خارجَ الحدودِ:
![]()
إنَّ السعيَ لاستخدامِ قواعدَ عسكريةٍ في مناطقَ استراتيجيةٍ بعيدةٍ، كمطارِ برّبرةَ على البحرِ الأحمرِ، يعكسُ رغبةً في امتلاكِ نقاطِ ارتكازٍ حيويةٍ. هذهِ النقاطُ تُمكِّنُها من:
- مُراقبةِ حركةِ الملاحةِ والشحنِ التجاريِّ في مضائقِ البحرِ الأحمرِ.
- تأمينِ خطوطِ الطاقةِ الحيويةِ.
- إطلاقِ عملياتٍ استخباراتيةٍ وعسكريةٍ محدودةٍ عندَ الضرورةِ، بعيداً عن أراضيها.
-
النفوذُ السياسيُّ والاقتصاديُّ كأداةِ سيطرةٍ:
لا تكتفي دولة الاحتلال الإسرائيلي بالقوةِ العسكريةِ الصارمةِ، بل تستخدمُ نفوذَها الاقتصاديَّ والتقنيَّ لدعمِ الحكوماتِ المحليةِ الهشَّةِ، مُقابلَ استثماراتٍ أو حمايةٍ أمنيةٍ. هذا التكتيكُ يُعزِّزُ قُدرتَها على التحكُّمِ في مسارِ الأحداثِ دونَ الدخولِ في مواجهةٍ مُباشرةٍ، مُحوِّلةً القوةَ الناعمةَ إلى أداةِ هيمنةٍ.
ثانياً: استغلالُ الهشاشةِ: الدولُ المُرشَّحةُ للانقسامِ
تُركِّزُ الاستراتيجيةُ الإسرائيليةُ على استغلالِ نِقاطِ الضَّعفِ الداخليةِ في الدولِ التي تُعاني من انقساماتٍ سياسيةٍ وعرقيةٍ، حيثُ ترى في هذا الضعفِ فرصةً لتعزيزِ نفوذِها عبرَ دعمِ فصائلَ مُعيَّنةٍ أو الضغطِ على الحكوماتِ المركزيةِ:
| المنطقةُ | حالةُ الهشاشةِ المُستغلَّةُ | الهدفُ الجيوسياسيُّ الإسرائيليُّ |
| القرنُ الإفريقيُّ (الصومالُ وإريتريا) | استقرارٌ هشٌّ وصراعاتٌ داخليةٌ. | التحكُّمُ بمضائقِ البحرِ الأحمرِ والخليجِ العربيِّ، ومُراقبةُ النفوذِ الإيرانيِّ والتركيّ والصعود الجهاديِ. |
| ليبيا | انقسامُ المؤسساتِ والحكوماتِ المحليةِ. | التأثيرُ في مسارِ المواردِ النفطيةِ، والتموُّضعُ العسكريُّ في شمالِ إفريقيا. |
| سوريا والعراقُ | الصراعاتُ الداخليةُ والانقسامات. | تحييدُ النفوذِ المُعادي، وإضعافُ أيِّ تحالفاتٍ تُشكِّلُ تهديداً. وتفكيك القوى الجهادية قبل استقوائها. |
| اليمنُ | الحربُ المُستمرَّةُ وعدمُ الاستقرارِ. | الضغطُ على الحركاتِ المُسلَّحةِ، وتوجيهُ تحالفاتٍ غيرِ مُباشرةٍ لتأمينِ الملاحةِ. والتصدي للصعود الجهادي المحتمل. |
ثالثا: أهمية الصومال واليمن للاستراتيجية الإسرائيلية:
يُعد البحر الأحمر وباب المندب أهم الشريانات الحيوية للأمن القومي الإسرائيلي في المرحلة الراهنة، لذا فإن حرص دولة الاحتلال الإسرائيلي على التواجد في الصومال (أو صومالي لاند) والجنوب اليمني ليس وليد الصدفة، بل هو جزء من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى بناء “حزام أمني” يطوق خصومها ويؤمين الممرات المائية الاستراتيجية.

-
المدخل الجغرافي: السيطرة على “عنق الزجاجة”
تقع اليمن والصومال على ضفتي باب المندب، الممر المائي الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
- الخطر الاستراتيجي: سيطرة قوى معادية للاحتلال الإسرائيلي على هذا المضيق تعني تهديد الملاحة الإسرائيلية المتجهة نحو آسيا (الصين والهند) وكذلك تهديد ميناء إيلات الاستراتيجي.
- الحل الإسرائيلي: العمل على إنشاء كيانات سياسية حليفة ومستقلة في (صومالي لاند) و(الجنوب اليمني) يضمن للاحتلال الإسرائيلي:
- قواعد إنذار مبكر واستخباراتية.
- منصات للعمليات البحرية والجوية.
- تأمين الملاحة بعيداً عن سيطرة القوى المركزية المعادية.
-
الملف الصومالي (صومالي لاند):
تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي بوضوح لتعزيز علاقاتها مع إقليم “صومالي لاند” المنشق، وتدعم استقلاله كدولة مستقلة لعدة أسباب جيوسياسية عميقة:
- التحالف مع إثيوبيا: إثيوبيا هي الحليف الاستراتيجي الأقوى للاحتلال الإسرائيلي في أفريقيا. اتفاقية إثيوبيا مع صومالي لاند (للحصول على منفذ بحري في بربرة مقابل الاعتراف) تُعتبر مشروعاً مدعوماً إسرائيلياً بشكل كبير. هذا المشروع يخدم الاحتلال الإسرائيلي لأنه يضع قوات إثيوبية حليفة على الساحل مباشرة، وبالتالي يصنع تواجداً غير مباشر للاحتلال الإسرائيلي.
- ميناء بربرة: يمثل ميناء بربرة نقطة ارتكاز هامة تطل على خليج عدن. وجود كيان صديق هناك يسمح للاحتلال بالمراقبة وربما التواجد اللوجستي، مما يقطع الطريق على أي صعود إسلامي لتوحيد الصومال في ظل دولة إسلامية تعادي الاحتلال الإسرائيلي.
- تطويق العالم العربي: إقامة دولة في صومالي لاند يزيد من تشظي المنطقة العربية والإسلامية، وينشئ كياناً جديداً غير مرحب به، مما يسهل اختراقه وتحييده، وتحويله إلى بوابة للاحتلال في أفريقيا بدلاً من بوابة عربية.
-
الملف اليمني (جنوب اليمن)
في الجنوب اليمني، تستند دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى تاريخ العلاقة القديمة مع “المحمية” العدنية، وتعمل اليوم على دعم “المجلس الانتقالي الجنوبي” الانفصالي:
- أمن المضيق: الجنوب اليمني يسيطر على الساحل الغربي لباب المندب. انفصال الجنوب وتشكيل دولة هناك (على غرار الجنوب القديم) يعتبر ضمانة للاحتلال لعدم سيطرة أي قوى معادية على هذا الجانب من المضيق.
- الورقة الانتقامية: دعم انفصال الجنوب يهدف إلى إضعاف اليمن الموحد وتقسيمه إلى دويلات متناحرة (شمال وجنوب)، مما يضمن بقاء اليمن مشغولاً بنفسه لسنوات طويلة، غير قادر على تهديد الاحتلال الإسرائيلي أو المساهمة في جبهات نصرة فلسطين.
- البعد الاستخباراتي: الجزر اليمنية (مثل سقطرى) والأراضي الجنوبية توفر مواقع ممتازة لتنصت إلكتروني ومراقبة أي تحركات معادية في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
-
الاستراتيجية الكبرى: “تجزئة وطوق”
إن الحرص الإسرائيلي على تأسيس هذين الكيانين (صومالي لاند، الجنوب اليمني) يندرج ضمن نظرية “تفتيت الدول الكبرى”:
- صناعة “جزر صديقة”: دولة الاحتلال الإسرائيلي تفضل التعامل مع كيانات صغيرة وضعيفة (مثل جنوب اليمن، أو صومالي لاند) لأن هذه الكيانات ستكون بحاجة ماسة للحماية والدعم، فتسعى لتحالف مع الاحتلال كضامن لبقائها أمام الدول المجاورة الأكبر.
- تأمين “الحزام الشمالي للبحر الأحمر”: تشكل إريتريا (التي لديها سلام مع الاحتلال وتقدم له موطئ قدم لقواعده العسكرية)، وصومالي لاند، والجنوب اليمني، حزاماً يطوق البحر الأحمر من الشرق والغرب، ويحول هذا البحر من “بحر عربي” إلى “بحر إسرائيلي-أفريقي” آمن نسبياً.
- مواجهة النفوذ المعادي: تعتبر دولة الاحتلال أن أي تواجد معادي في البحر الأحمر هو “خط أحمر”. لذلك، فإن صناعة دول تابعة أو حليفة في الصومال واليمن هو الطريقة الأفضل لقطع الطريق على أي عدو يتوعد الاحتلال بما فيه الجماعات الجهادية التي تعرف صعودا في المنطقة: حركة الشباب المجاهدين وتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب.
السودان واليمن والصومال ليست مجرد نقاط صراع عابرة، بل هي “مناور إستراتيجي”. دولة الاحتلال الإسرائيلي تحاول رسم خريطة جديدة للمنطقة حيث يتم تجاوز الحدود الكبرى إلى كيانات إثنية أو قبلية صغيرة (طوائفية) تتمتع بسيادة اسمية لكنها مرتبطة استراتيجياً بالاحتلال الإسرائيلي وكيانات حليفة، وذلك لتأمين ظهرها الجنوبي ومنع أي تشكيل قوة مركزية تهدد وجودها أو ملاحتها في المستقبل.
دول الجوار في الاستراتيجية الإسرائيلية

يمكن قراءة الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه دول الجوار (سوريا، العراق، الأردن، لبنان) ودور الخليج (السعودية تحديداً) من خلال منظور شامل يعتمد على مبدأ “التفكيك” للدول المعادية، و”التحالف” مع الدول القوية والثرية.
المفهوم العام: “الأمن الاستراتيجي عبر ضعف المركز”
الاستراتيجية الإسرائيلية في العقد الحالي تقوم على فكرة أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تستطيع الوصول لسلام دائم مع جيرانها العرب التقليديين ما لم تُفرغ هذه الدول من قدراتها العسكرية والمركزية، وتُحوّلها إلى كيانات صغيرة أو مقسمة (دويلات طائفية وعرقية) لا تملك قوة التهديد الجمعي.
-
سوريا: “التفكيك ومنع التماسك”
سوريا هي القلب النابض بالجماعات الجهادية، لذلك كانت الاستراتيجية الإسرائيلية هي الأكثر عدوانية ووضوحاً:
- منع الاستقرار: دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تريد سوريا قوية موحدة، ولا حتى سوريا ديمقراطية كما يطالب الغرب باحتيال. سياستها تهدف للحفاظ على حالة “الضعف المزمن” والفوضى المخطط لها. الانقسام الحالي (مناطق نفوذ متعددة) يخدم الاحتلال.
- الضفة الشرقية (الجولان): العمل الدؤوب لضم الجولان رسمياً وتطبيع العلاقات مع الدروز والسكان هناك، وجعله منطقة عازلة لا يمكن لأي قوة سورية (أو غير سورية) الاقتراب منها.
- سوريا مفككة: الإسرائيليون يروجون لفكرة “سوريا المفيدة” (سوريا المفيدة في نظرهم هي الساحل العلوي فقط) وباقي المناطق (صحراء، مناطق كردية، سنّية) تكون مشغولة بنفسها. الهدف هو قطع طريق الجهاد أو المقاومة.
-
العراق: “الدولة الفاشلة وورقة الأكراد”
العراق يشكل تهديداً استراتيجياً للاحتلال الإسرائيلي بسبب عمقه الجغرافي وحدوده مع إيران، لذا تتبنى دولة الاحتلال الإسرائيلي استراتيجية “التقسيم الناعم”:
- دعم الانفصال الكردي: دولة الاحتلال هي الداعم الأكبر لاستقلال كردستان العراق (وأيضاً سوريا). الكيان الكردي يعتبر حليفاً استراتيجياً للاحتلال لأنه يوفر عمقاً جغرافياً وعسكراً متحالفاً يحاصر العرب والأتراك والإيرانيين في آن واحد. لا يقصد بذلك كل الأكراد إنما قسد والتنظيمات المتحالفة مع الغرب.
- إشعال الفتنة الطائفية: تشجيع الصراع السني-الشيعي في العراق لضمان بقاء الدولة مشغولة داخلياً، مما يمنعها من التفكير في جبهات خارجية ضد الاحتلال. الهدف هو عودة العراق إلى ما يشبه الفوضى ما بعد 2003 ولكن بذريعة الحرب على إيران.
- منع الجسر البري: العمل بكل الوسائل العسكرية والسياسية لمنع تشكيل جسر بري متصل يمر عبر العراق يربط إيران بلبنان.
-
لبنان: “الإرهاق والاستنزاف الداخلي”
لبنان يمثل جبهة متوترة قابلة للاشتعال، بسبب “حزب الله” الإيراني وقوة ردعه، لذا تعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية على:
- الاحتراق الداخلي: دولة الاحتلال لا تسعى لغزو لبنان برياً (كما اتضح في 2006)، بل تسعى لاستنزاف لبنان اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. ترويج الفوضى الطائفية وتسليح الميليشيات المناهضة لحزب الله هو جزء من هذه الخطة.
- السلاح الأعمى: التهديد بتدمير البنية التحتية للدولة اللبنانية (استراتيجية “الدحيا”) إذا تم استخدام حزب الله لسلاحه. الهدف هو صناعة انقسام بين الشعب اللبناني والمقاومة، بحيث يضغط الشعب لنزع سلاح حزب الله.
- الهوة الاقتصادية: تدمير الاقتصاد اللبناني يجعل الدولة ضعيفة ولا تملك ثمن الحرب، مما يضمن بقاء المنطقة تحت السيطرة الأمنية بدلاً من السيطرة العسكرية.
-
الأردن: “الاستقرار الهش كخيار أول.. والبديل الوطني كخيار ثانٍ”
الأردن يحتل موقعاً حساساً جداً كدولة عازلة بين الاحتلال والقلب العربي.
- الدور الوظيفي: تفضل دولة الاحتلال بقاء الأردن كما هو حالياً، كدولة “مخزن سكاني” للفلسطينيين (حامية مؤقتة) ودولة عازلة أمنياً. أي اضطراب في الأردن يهدد الاحتلال الإسرائيلي بموجات لاجئين وحدود مفتوحة.
- خطة “البديل الوطني” (الوطن البديل): هناك تيار صهيوني قوي لا يرى أملًا في دولة فلسطينية في الضفة الغربية، وتكمن رؤيته في جعل الأردن هو الدولة الفلسطينية البديلة، أو ضم أجزاء من الضفة للأردن تحت مسمى “الكونفدرالية”.
- الضغط المائي والاقتصادي: تستخدم دولة الاحتلال ملف المياه (سد كينرت بحر الجليل) والغاز كأدوات ضغط سياسية على الأردن لضمان بقائه في الخط المنحاز وعدم الانقلاب على معاهدة السلام مهما كانت الضغوط الشعبية الأردنية.
-
دور الخليج والسعودية: “الحليف الاستراتيجي والتطبيع”
هنا تنعطف الاستراتيجية من “التفكيك” إلى “الدمج”. دولة الاحتلال الإسرائيلي ترى في الخليج والسعودية شريكاً لا غنى عنه في مواجهة إيران والجهاد السني وتحقيق التفوق الإقليمي.
- محور “الاعتدال” ضد إيران: تهدف دولة الاحتلال لصناعة تحالف عسكري واستخباراتي علني (أو شبه علني) مع السعودية والإمارات يحاكي “الناتو العربي”، هدفه الأساسي ليس فقط إيران، بل وضمان عدم قيام أي قوة إسلامية أو جهادية موحدة تناهض الهيمنة الإسرائيلية.
- الاقتصاد كبديل عن الأيديولوجيا: تسعى دولة الاحتلال لدمج اقتصادها بالاقتصاد الخليجي (خاصة السعودية) بحيث تصبح المصالح التجارية والتقنية أقوى من الروابط الدينية أو القومية. الرؤية هي أن تتمتع دولة الاحتلال بالتكنولوجيا، والخليج بالمال والنفط، في مشروع مشترك يهمّش الآخرين.
- تغيير وجهة الصراع: تريد دولة الاحتلال تحويل الصراع من (صراع عربي-إسرائيلي) إلى (صراع إيراني-عربي/إسرائيلي).一تنجح في تطبيع العلاقات مع السعودية (أكبر اقتصاد عربي وحاضنة الحرمين)، كي تكسر العمق الحضاري والديني لمعاداة للاحتلال الإسرائيلي.
- الممر الهندي-الأوروبي (IMEC): هو المشروع العملي لهذا التحالف، حيث يربط الهند بالخليج ثم بدولة الاحتلال الإسرائيلي وأوروبا، مما يجعل الأمن الإسرائيلي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي العالمي والخليجي.
الخلاصة الجيوسياسية الكبرى
رؤية ما يسمى “إسرائيل” لمنطقة “الشرق الأوسط الجديد” تقوم على 3 دوائر:
- الدائرة المركزية، دائرة النار (الفوضى الخلاقة): تشمل لبنان، سوريا، العراق، واليمن، وتستهدفها “إسرائيل” بالتقسيم والتفكيك والفوضى لمنعها من تهديد أمنها.
- الدائرة المحيطة، (حزام النظام والسلام): تشمل مصر، الأردن، والخليج (السعودية)، وتستهدفها “إسرائيل” بالتحالف الاقتصادي والأمني لتوفير الغطاء السياسي والعمق الاستراتيجي لسيطرتها على المنطقة.
- الدائرة الخارجية (حزام التوسع والاحتواء): تشمل شرق أفريقيا، القرن الإفريقي، البحر المتوسط (منطقة نفوذ لقطع الطريق على الأعداء وتأمين الممرات المائية العالمية والاستعداد للصعود الجهادي في شرق إفريقيا واليمن).
دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى لأن تكون إيران “العدو المشترك” الذي يوحّدها مع الخليج، بينما تبقى فلسطين والقضية الإسلامية هي “الضحية” التي تُهمل في سبيل هذا التحالف الجديد.
هذا التصور يعكس براغماتية إسرائيلية خالصة: احرق جيرانك الأقوياء، وتحالف مع جيرانك الأثرياء، ومد نفوذك للأفارقة لتأمين مستقبلك.
ثالثاً: نداء لليقظة
إنَّ هذا التمدُّدَ الإقليميَّ الإسرائيليَّ، الذي يعتمدُ على استغلالِ التفكُّكِ العربيِّ والإسلاميِّ، يفرضُ على الأُمَّةِ الإسلاميةِ تحوُّلاً جذرياً في الرؤيةِ والمُقاربةِ. إنَّ مواجهةَ هذا التحدِّي لا تكونُ بالردودِ العاطفيةِ، بل بـرؤيةٍ إسلاميةٍ واعدةٍ تُعيدُ بناءَ الحِصنِ من الداخلِ:
-
إعادةُ بناءِ التماسكِ الداخليِّ:
إنَّ الضعفَ الإسرائيليَّ يكمنُ في قوة الجهود الإسلامية المُتَّحدةِ. يجبُ على الشعوب العربيةِ والإسلاميةِ العملُ على إنهاءِ الانقساماتِ الداخليةِ، وتحقيقِ درجةٍ عاليةٍ من التماسكِ العقدي والأخلاقي. فالوحدةُ هيَ صمَّامُ الأمانِ أمامَ استراتيجيةِ “فَرِّقْ تَسُدْ” الإسرائيليةِ.
-
تفعيلُ القوةِ الاقتصاديةِ الإسلاميةِ:
يجبُ تحويلُ القوةِ الاقتصاديةِ الهائلةِ للدولِ الإسلاميةِ إلى أداةِ نفوذٍ جيوسياسيٍّ مُضادٍّ. وذلكَ عبرَ:
- تأسيسِ شراكاتٍ اقتصاديةٍ إسلاميةٍ مُتكاملةٍ تُقلِّلُ الاعتمادَ على القوى الخارجيةِ.
- استثمارِ رؤوسِ الأموالِ المستقلة في الدولِ الهشَّةِ (كاليمنِ والصومالِ وليبيا ودول الساحل) لانتزاعِها من براثنِ النفوذِ الأجنبيِّ.
-
استراتيجيةُ الدفاعِ المُشتركِ:
يجبُ تطويرُ استراتيجيةِ دفاعٍ مُشتركٍ تُؤمِّنُ الحدودَ والمضائقَ المائيةَ الحيويةَ (كالبحرِ الأحمرِ وبابِ المندبِ) بقواتٍ إسلاميةٍ خالصةٍ، بعيداً عن التبعيةِ للقوى الدوليةِ التي تتصادمُ مصالحُها معَ مصالحِ الأُمَّةِ.
-
الوعيُ الإقليميُّ المُتزايد:
إنَّ الوعيَ المُتزايدَ لدى الشعوبِ العربيةِ والإفريقيةِ بأهدافِ التمدُّدِ الإسرائيليِّ هو نقطةُ قوةٍ يجبُ استثمارُها. يجبُ دعمُ الخطابِ الذي يُفضحُ هذهِ الأهدافَ ويُشجِّعُ على الجهاد الشعبي والسياسي وحتى العسكري للنفوذِ الأجنبيِّ.
إنَّ التحركاتِ الإسرائيليةَ، من برّبرةَ إلى كل مكان في المنطقة، ليستْ سوى فصولٍ في روايةِ الهيمنةِ الطويلةِ. لكنَّ هذهِ الروايةَ لا تزالُ مفتوحةً، ومُستقبلُ المنطقةِ لا يزالُ رهنَ يقظةِ الأُمَّةِ وقدرتِها على تجاوزِ مرحلة التيه والعبث. إنَّ الرؤيةَ الإسلاميةَ الواعدةَ تكمنُ في إعادةِ اكتشافِ الذاتِ، وتوحيدِ الصفِّ، وتحويلِ الثرواتِ إلى قوةٍ ضاربةٍ تُعيدُ للأُمَّةِ مكانتَها كقوةٍ فاعلةٍ ومُحصَّنةٍ، لا كساحةٍ للصراعاتِ الإقليميةِ والدوليةِ.
ولا يكون ذلك بدون إعادة الهيبة لعقيدة التوحيد والجهاد والاصطفاف في معسكر المجاهدين العاملين لإعلاء كلمة الله تعالى وقطع يد الكافرين الممتدة لبلاد المسلمين.
الرؤية الإسرائيلية، الدور الأمريكي، وسبيل المواجهة

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الرؤية الإسرائيلية للمرحلة المقبلة قد تجاوزت مفهوم “الأمن الدفاعي” إلى مرحلة “الهيمنة الإقليمية الفعّالة”. لم يعد هدف دولة الاحتلال الإسرائيلي مجرد البقاء داخل حدود آمنة، بل إعادة هندسة المنطقة بأكملها لتصبح فضاءً مفتوحاً لقوتها الاقتصادية والعسكرية، حيث تكون هي “المركز” وتكون الدول العربية المجاورة “أطرافاً” تابعة أو مفككة. الطموح الإسرائيلي يقوم على صناعة واقع جديد يُفرض بالقوة والتطبيع، يُذيب فيه الهويات القومية والدينية لصالح شرق أوسط تتلاشى فيه حدود سايكس-بيكو لصالح نفوذ تل أبيب الاقتصادي والأمني.
الدور الأمريكي: الراعي الاستراتيجي للتوسع
لا يمكن فهم هذا التمدد الإسرائيلي بمعزل عن الدور الأمريكي الذي يتصرف ليس كوسيط نزيه، بل كشريك استراتيجي يرى في القوة الإسرائيلية امتداداً لنفوذه الخاص ورؤيته العقدية للصراع. كما أن الولايات المتحدة تدعم التوسع الإسرائيلي ضمن إطار الصراع العالمي على النفوذ ضد روسيا والصين، حيث تعتبر دولة الاحتلال الإسرائيلي “حاملة طائرات” غير غارقة في الشرق الأوسط. وفي الأثناء الدعم الأمريكي يغطي الجوانب كافة: من الفيتو الدبلوماسي في الأمم المتحدة، إلى تزويد “إسرائيل” بترسانة نووية وتقنيات متطورة لا تُمنح لدول أخرى، وصولاً إلى الحماية الاقتصادية والدبلوماسية التي تمنح “إسرائيل” “حصانة” من العقاب الدولي. هذا الغطاء الأمريكي هو ما يجرؤ الاحتلال الإسرائيلي على تجاوز الخطوط الحمراء الدولية ويشعرها بالإفلات من العقاب، مما يجعل أي حل للصراع يمر حتماً عبر واشنطن قبل أن يمر عبر المنطقة.
الفكرة المضادة: المواجهة الاستراتيجية والوحدة المفقودة
لمواجهة هذه الاستراتيجية المعقدة، لا تكفي المقاومة العسكرية الميدانية وحدها (على أهميتها)، بل نحن بحاجة إلى “فكرة مضادة” شاملة تُفكك الأدوات الإسرائيلية:
- إعادة إنتاج مركزية القضية الفلسطينية: تهدف الاستراتيجية الإسرائيلية لتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية وعرقية وتهميش فلسطين. الفكرة المضادة تكمن في جلب القضية الفلسطينية مجدداً إلى قلب الوعي الجمعي العربي والإسلامي كقضية تحرر مركزية، وجعل “التطبيع” خيانة دينية تُحرّم وتوجب الجهاد، بحيث لا يبيع الحاكم أرضه وثروته لدولة الاحتلال الإسرائيلي دون أن يدفع ثمناً داخلياً.
- مواجهة مشروع التجزئة بالتكتل الإقليمي: الرد على المشروع الإسرائيلي لتفتيت سوريا والعراق ولبنان واليمن لا يكون بمزيد من الانقسامات الداخلية، بل بإنشاء تكتلات استراتيجية إقليمية (اقتصادية وأمنية) تُجبر العالم على احترامها. الوحدة السياسية الصعبة يمكن استبدالها بـ”التنسيق الاستراتيجي العميق” الذي يربط مصير الشعوب ببعضها البعض، بحيث يكون الاعتداء على دولة منها هو اعتداء على الكل.
- كسر الاحتكار التكنولوجي والاقتصادي: دولة الاحتلال الإسرائيلي تعتمد على تقدمها التكنولوجي والاقتصادي لفرض الهيمنة. الفكرة المضادة تتطلب تحرير الاقتصاد الإسلامي من التبعية والارتهان للدولار والنظام الغربي، والاستثمار في الميدان العسكري والاستقلال عن الهيمنة، واستخدام “سلاح المقاطعة” الاقتصادية كأداة ضغط حقيقية، لا مجرد شعارات.
- نزع الشرعية عن التحالف الإسرائيلي-الخليجي: يجب العمل فكرياً وسياسياً لترسيخ حقيقة أن التحالف مع “إسرائيل” لا يحمي الخليج، بل يورطه في حروب ليست له، ويحوله إلى حقل حماية للمصالح الإسرائيلية بمال ودماء المسلمين.
ختاماً، إن المواجهة مع الاستراتيجية الإسرائيلية ليست مواجهة مع دولة احتلال فحسب، بل هي مواجهة مع مشروع “تطبيع الهيمنة” الذي يريد القضاء على كل آمال المنطقة. النصر في هذه الجولة يتطلب وعياً استراتيجياً يسبق الوعي العسكري، ويوحّد الصفوف ويضع القدس والكرامة الإسلامية فوق كل المصالح الضيقة. ولا سبيل لتحقيق كل ذلك إلا بتربية إيمانية وجهادية وافية، وبوحدة صفوف المجاهدين ومن خلفهم الشعوب المسلمة الواعية. والله يدبر الأمور بحكمته، ليقضي أمرا كان مفعولا. والحمد لله على نعمة التدافع ووعد الله الحق.
عبد الغني أحمد
لتحميل الدراسة: تحليل جيوسياسيّ لمستقبل المنطقةِ