تداعيات استخدام الطائرات المسيرة التركية على المدنيين في أفريقيا
شهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في استخدام الطائرات المسيرة (الدرونز) في النزاعات المسلحة حول العالم، بما في ذلك القارة الأفريقية. وقد برزت تركيا كلاعب رئيسي في هذا المجال، حيث قامت بتصدير طائراتها المسيرة، وخاصة من طراز Bayraktar TB2، إلى عدة دول أفريقية مثل الصومال ومالي وإثيوبيا وبوركينا فاسو. ورغم الفوائد التكتيكية التي قد توفرها هذه الطائرات في دعم الحكومات المحلية، إلا أن هناك تقارير متزايدة تشير إلى سقوط ضحايا مدنيين جراء غاراتها، مما يثير تساؤلات جدية حول المساءلة، وحقوق الإنسان، والتداعيات الإنسانية والسياسية لهذه السياسات.
لنلقي نظرة مفصلة على التقارير المتعلقة بسقوط ضحايا مدنيين جراء غارات الطائرات المسيرة التركية أو التي تستخدم تكنولوجيا تركية في أفريقيا، مع التركيز على حالتي مالي والصومال. كما سنتحدث عن أسباب ضعف التغطية الإعلامية لهذه الحوادث، ونحلل التداعيات المحتملة لهذه السياسات على المدنيين والاستقرار الإقليمي.
الضحايا المدنيون في الصومال
تعد الصومال إحدى الدول الأفريقية التي شهدت استخداماً مكثفاً للطائرات المسيرة التركية في عمليات الحرب على حركة الشباب المجاهدين لمنع الصعود الإسلامي وتوسع مساحة الحكم بالشريعة الإسلامية. وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان حوادث أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين في هذا السياق.
في تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية بتاريخ 7 مايو 2024، تم توثيق مقتل 23 مدنياً، بينهم 14 طفلاً وخمس نساء، وإصابة 17 آخرين في غارتين بطائرات مسيرة في 18 مارس 2024. استهدفت هذه الغارات مزرعة الجافي، الواقعة على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات غرب قرية بغداد في منطقة شبيلي السفلى. وجميع الضحايا ينتمون إلى عشيرة غورغارتي المهمشة.
توضح المنظمة أن الغارات استهدفت المزرعة بعد قتال عنيف بين حركة الشباب المجاهدين والقوات الصومالية. وقد أشار شهود عيان إلى أن العديد من المدنيين فروا إلى مزرعة الجافي بحثاً عن ملجأ بعد غارة أولية استهدفت مسجداً في قرية بغداد. الغارة الأولى على المزرعة أدت إلى مقتل وإصابة العديد من المدنيين، وتبعتها غارة ثانية بعد حوالي 30 دقيقة استهدفت المدنيين الذين وصلوا لإنقاذ الناجين.
أحد الشهود، معلم آدم حسين حسن أدو، البالغ من العمر 49 عاماً، فقد زوجته وثلاثة من أطفاله واثنين من أبناء إخوته في الغارة الأولى. وقد أعرب عن حزنه الشديد واستغرابه من استهداف عائلته خلال شهر رمضان المبارك.
تثير هذه الحوادث تساؤلات حول من كان يتحكم بالطائرة المسيرة وقت الهجوم. ففي عام 2022، أفاد فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالصومال بأن تركيا هي التي تشغل الطائرات المسيرة بنفسها في إطار ما يسمى “مكافحة الإرهاب”، بينما ذكرت مصادر حكومية صومالية أن القادة الصوماليين هم من يحددون الأهداف.
ويوم (12 شعبان 1447هـ) شنت طائرة عسكرية تركية غارة جوية على مسجد يقع في منطقة محاسعيد، بولاية شبيلي الوسطى الإسلامية. واستهدفت الغارة، التي شُنت بعد صلاة العصر بقليل، تجمعًا لكبار وشيوخ القبائل وأهل العلم من قبيلة عبد الله جلماح التابعة لقبيلة أبغال. وكانوا مجتمعين داخل المسجد آنذاك. وكان الشيوخ والعلماء قد اجتمعوا داخل المسجد لمناقشة ظروف الجفاف الشديد التي تؤثر على مناطقهم، ولتنسيق جهود الإغاثة. وأكدت التحقيقات الأولية مقتل أحد عشر شخصاً، من وجهاء العشائر المحترمين وعلماء الدين الحاضرين، فقدوا حياتهم في الهجوم، من بينهم امرأة وطفلان.
الضحايا المدنيون في مالي
في مالي، حيث تواجه الحكومة تحديات كبيرة مع الصعود الجهادي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، حيث تم أيضاً توثيق حوادث استهداف مدنيين بطائرات مسيرة، يُعتقد أنها تركية الصنع أو تستخدم تكنولوجيا تركية.
وفقاً لتقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش بتاريخ 28 مارس 2024، قُتل ما لا يقل عن 14 مدنياً، بينهم 4 أطفال، في غارتين بطائرات مسيرة مالية في 16 و17 فبراير 2024. استهدفت الغارة الأولى حفل زفاف في قرية كونوكاسي، بينما استهدفت الغارة الثانية مجموعة من الأشخاص كانوا يحاولون دفن الضحايا في المقبرة. وأفاد سكان القرية بأنه لم يكن هناك أي مقاتلين من الجماعات الجهادية في حفل الزفاف.
كما أشارت تقارير أخرى إلى مقتل 21 شخصاً، بينهم 11 طفلاً، في غارات بطائرات مسيرة على بلدة تينزاواتين شمال مالي في أغسطس 2024. وتوضح هذه الحوادث النمط المتكرر لاستهداف المدنيين في مناطق النزاع، مما يؤكد الحاجة الملحة إلى تحقيق مستقل وشفاف.
أسباب ضعف التغطية الإعلامية وغياب المساءلة
تتسم التقارير حول ضحايا الطائرات المسيرة في أفريقيا، وخاصة تلك التي تشمل الطائرات التركية، بضعف التغطية الإعلامية وغياب المساءلة. يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل متداخلة:
-
المصالح الجيوسياسية والاقتصادية:
تستخدم تركيا مبيعات الطائرات المسيرة كأداة رئيسية في سياستها الخارجية لتوسيع نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في أفريقيا. هذا النهج، الذي يوصف أحياناً بـ “دبلوماسية المسيرات”، يركز على بناء علاقات مع الدول الأفريقية من خلال توفير الدعم العسكري والتكنولوجي. في هذا السياق، قد يتم التغاضي عن قضايا حقوق الإنسان والمساءلة لتجنب الإضرار بالعلاقات الثنائية والمصالح الاستراتيجية.
-
غياب الشفافية والمساءلة:
تعد الشفافية والمساءلة من التحديات الرئيسية في قضايا استخدام الطائرات المسيرة. غالباً ما تفتقر الحكومات التي تستخدم هذه الطائرات إلى آليات تحقيق مستقلة وفعالة في حوادث سقوط الضحايا المدنيين. بالإضافة إلى ذلك، قد لا تكون الدول المصدرة، مثل تركيا، شفافة بشأن شروط مبيعاتها أو استخدام طائراتها المسيرة من قبل الدول المستوردة. هذا الغموض يجعل من الصعب تحديد المسؤولية ومحاسبة المتورطين.
-
ضعف التغطية الإعلامية الدولية والمحلية:
تتأثر التغطية الإعلامية لضحايا النزاعات في أفريقيا بعدة عوامل:
- صعوبة الوصول: غالباً ما تكون مناطق النزاع في أفريقيا نائية ويصعب الوصول إليها، مما يعيق عمل الصحفيين والمحققين المستقلين.
- نقص الموارد: تعاني العديد من وسائل الإعلام المحلية في أفريقيا من نقص الموارد، مما يحد من قدرتها على إجراء تحقيقات معمقة وتغطية شاملة لهذه الحوادث.
- التحيز الإعلامي: قد يكون هناك تحيز في التغطية الإعلامية الدولية، حيث لا تحظى النزاعات في أفريقيا بنفس القدر من الاهتمام الذي تحظى به النزاعات في مناطق أخرى من العالم.
- التعتيم الحكومي: قد تلجأ الحكومات المعنية إلى التعتيم على هذه الحوادث أو التقليل من شأنها لتجنب الانتقادات الدولية والمحلية.
-
تعقيد سلسلة القيادة والتحكم:
في كثير من الحالات، يكون من الصعب تحديد من يملك السيطرة النهائية على الطائرات المسيرة. هل هي القوات المحلية التي تستخدمها، أم الخبراء الأجانب الذين يدربون ويشغلون هذه الطائرات؟ هذا التعقيد في سلسلة القيادة والتحكم يزيد من صعوبة تحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية عن الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
التداعيات السياسية والإنسانية
إن استمرار استخدام الطائرات المسيرة بطريقة تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين له تداعيات خطيرة على المستويين السياسي والإنساني:
-
تفاقم الأزمات الإنسانية:
يؤدي استهداف المدنيين إلى تفاقم الأزمات الإنسانية القائمة بالفعل في مناطق النزاع. فعمليات القتل والإصابة والنزوح القسري تزيد من معاناة السكان، وتدمر سبل عيشهم، وتعيق وصول المساعدات الإنسانية. كما أن الخوف من الغارات الجوية يدفع المدنيين إلى الفرار من منازلهم، مما يخلق موجات جديدة من النازحين واللاجئين.
-
زعزعة الاستقرار الإقليمي:
يمكن أن يؤدي استخدام الطائرات المسيرة بشكل غير مسؤول إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. فاستهداف المدنيين يغذي مشاعر الغضب والاستياء، ويدفع المزيد من الأفراد للانضمام إلى الجماعات الجهادية، مما يؤدي إلى تصعيد النزاعات وخدمة الأهداف الجهادية.. كما أن غياب المساءلة يمكن أن يشجع الأعلى انتهاك الحقوق دون خوف من العواقب.
-
تآكل الثقة والمصداقية:
يؤدي غياب المساءلة وتجاهل حقوق المدنيين إلى تآكل الثقة بين الحكومات وشعوبها، وبين الدول والمجتمع الدولي. فعندما لا يتم التحقيق في حوادث استهداف المدنيين أو عندما لا يتم تقديم الجناة إلى العدالة، فإن ذلك يقوض أي شرعية حكومية ودولية، ويزعزع ثقة الجمهور في المؤسسات الحكومية والدولية.
-
انتهاك لحدود الشريعة الإسلامية:
تعتبر الهجمات التي تستهدف المسلمين أو الأعيان المدنية سفكا للدماء المعصومة واستهدافا للآمنين، وعندما يتم استخدام الطائرات المسيرة بطريقة تؤدي إلى سقوط ضحايا مسلمين، فإن ذلك يجيز الجهاد والقصاص من القتلة.
الخلاصة
تظهر التقارير المتزايدة حول سقوط ضحايا مدنيين جراء غارات الطائرات المسيرة التركية أو التي تستخدم تكنولوجيا تركية في أفريقيا، وخاصة في الصومال ومالي، نمطاً مقلقاً يتطلب اهتماماً عاجلاً. إن ضعف التغطية الإعلامية وغياب المساءلة عن هذه الحوادث يفاقم من الأزمة الإنسانية ويزعزع الاستقرار الإقليمي. وفي ظل استمرار الحكومة التركية في تجاهلها لهذه الدماء التي تسفك، يصبح الأمر في هذه الحال، جريمة قتل مع سبق الإصرار والتعمد.
للتصدي لهذه التحديات، يوصى بما يلي:
إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة: يجب توثيق كل الجرائم والمجازر وحفظ قائمة أصحاب الحقوق، لأنها لا تسقط بالتقادم، سيتم محاكمة القتلة يوما ما.
تعزيز المساءلة: يجب على الدول المصدرة للطائرات المسيرة، أن تعتذر عن مجازرها وتعوض الضحايا بدون تأخير، وتعمد التهميش والمماطلة يعني واجب فضحها إعلاميا وتحميلها مسؤولية الدماء المعصومة.
زيادة التغطية الإعلامية: يجب على وسائل الإعلام تكثيف جهودها لتغطية هذه الحوادث، وتسليط الضوء على معاناة الضحايا المدنيين، والضغط من أجل المساءلة.
فتح الباب لمنظمات المجتمع المدني: حيث أن توثيق منظمات المجتمع المدني تساعد في توثيق هذه الحوادث والدفاع عن حقوق الضحايا.
إبراز حقيقة التدخلات العسكرية: وحشد التحالفات وتجنيد المسلمين للتصدي لانتهاك حقوق المسلمين.
إن حماية المدنيين في مناطق النزاع هي مسؤولية جماعية، ويتطلب التصدي لتداعيات استخدام الطائرات المسيرة التزاماً قوياً بالشفافية والمساءلة واحترام الشريعة الإسلامية.
معتز غزوان