الصومال في مرمى الأجندات المتقاطعة… دراسة دولية تكشف الأجندات الخفية وراء تدخل الغرب والاتحاد الإفريقي في الصومال
كشف المعهد الدنماركي للدراسات الدولية (DIIS)، وهو مؤسسة بحثية عالمية تموّلها حكومة الدنمارك، في دراسة أجراها مؤخرًا، عن بعض الأجندات الخفية التي يحملها الكفار العالميون والإقليميون تجاه الحملة الصليبية المستمرة في الصومال منذ ما يقارب العقدين من الزمن.
وقالت الدراسة إن بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، التي تم تبديل أسمائها مرارًا على مر السنوات – من أميسوم (AMISOM) إلى أتميس (ATMIS) ثم إلى أوسسوم (AUSSOM) – لم تكن يومًا قائمة على مصالح الصوماليين، بل كانت تُدار وفقًا لأجندات الدول الممولة من الخارج، أي دول الغرب والدول التي أرسلت جيوشها إلى الصومال.
وذكرت الدراسة أن العمليات التي يُقال إنها لدعم السلام في الصومال تحت مظلة الاتحاد الإفريقي، كانت في الحقيقة بُنى هيكلية صاغها الممولون الأجانب – وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي – لاستخدامها لتحقيق مصالحهم الخاصة.
وأشارت الدراسة كذلك إلى أن دول الجوار التي لها قوات داخل الصومال، مثل إثيوبيا وكينيا، استخدمت بدورها بعثة الاتحاد الإفريقي كأداة لتنفيذ أجنداتها الوطنية الخاصة.
وكشفت الدراسة أن إثيوبيا كانت تهدف إلى التحكم في فكرة “الصومال الموحّد” ومنعها من الظهور، بينما كانت كينيا تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة في إقليمي جوبا، على حساب استقرار الصومال.
وأوضحت الدراسة أن التغيرات في تمويل بعثة الاتحاد الإفريقي تُظهر بوضوح هذه التحركات المتضاربة وغياب الوحدة داخل العملية، وذلك نتيجة لتضارب الأجندات بين الدول المشاركة، وخاصة الدول المجاورة.
وأشار المعهد إلى أن تدخل فريق “فيلا صوماليا” (الحكومة الصومالية) في تنظيم بعثة أوسوم – خصوصًا في اختيار الدول المشاركة فيها – أدى إلى استياءٍ شديد من الممولين الأجانب، ووصفت الدراسة تلك الخطوات بأنها غير مألوفة، إذ كشفت مدى الإحباط الذي أصاب الممولين بسبب طريقة إدارة الحكومة الصومالية للعملية.
وبيّنت الدراسة أيضًا تصاعد الانقسام السياسي في المنطقة، وأوضحت أن منطقتي القرن الإفريقي والساحل كانتا سابقًا، بين عامي 2000 و2010، من أبرز أولويات الغرب، إلا أن خارطة السياسة العالمية تغيّرت جذريًا اليوم في عام 2025.
فالآن، أصبحت أوروبا منشغلة بالكامل بالحرب بين روسيا وأوكرانيا، وبمخاوف اندلاع صدام مباشر مع موسكو، إلى جانب الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة. ولهذا السبب، ركّزت أوروبا اهتمامها على النزاعات في أوروبا الشرقية والبحر الأبيض المتوسط، بحسب ما جاء في دراسة المعهد الدنماركي للدراسات الدولية.
كما أشارت الدراسة إلى أنه بين عامي 2014 و2015، حاول موظفون مدنيون دنماركيون الضغط على الاتحاد الأوروبي لإيقاف تمويل بعثة أميسوم، التي كانت تكلف حينها أكثر من نصف مليار يورو سنويًا.
وبحلول عام 2025، أثّرت هذه الجهود بشكل واضح على مشاركة الاتحاد الأوروبي في العملية داخل الصومال، حيث انخفضت النفقات الكبيرة التي كان يتحملها الاتحاد في تمويل البعثة، بحسب ما أكده مسؤول أوروبي مقيم في مقديشو للمعهد الدنماركي.
وقالت الدراسة إن هذا التحول يُظهر كيف أعاد الاتحاد الأوروبي تحديد دوره تجاه الاتحاد الإفريقي، منتقلاً من تمويل عمليات مفتوحة غير محدودة إلى تعاون محدود النطاق يقوم على استراتيجيات الخروج والتقليص.
وأضافت الدراسة أن دور بعثة أوسسوم يبدو الآن ضعيف الأمل، مشيرةً إلى أن مسؤولًا في الاتحاد الأوروبي ذكر أن الاتحاد الإفريقي لم يتحمل أي مسؤولية حقيقية ولم يبذل أي جهد يُذكر في العملية منذ بدايتها، وهو ما أدى إلى خيبة أمل كبيرة داخل الاتحاد الأوروبي.
وأوضح المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، الذي يركّز دائمًا على قضايا الأمن والسياسة العالمية، أن عمليات الاتحاد الإفريقي في الصومال كانت في جوهرها خدمة لأجندات مزدوجة – خارجية وداخلية – أكثر من كونها لخدمة الصوماليين.
وبيّنت الدراسة أن فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأخيرة أواخر عام 2024 يمثل تحولًا كبيرًا في السياسة الأمريكية؛ إذ قام ترامب في مطلع 2025 بحلّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وأغلق عددًا من مكاتب وزارة الخارجية، مما أظهر أن واشنطن تراجعت رسميًا عن دعم حلفائها ماليًا.
وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة في عام 2025 لم تعد مستعدة لتحمل أعباء سياسية أو مالية في عمليات الاستقرار في إفريقيا، إذ أصبحت تركز على مواجهة الصين، ودعم إسرائيل، وإدارة الصراعات في الشرق الأوسط، وتعزيز نفوذها في أمريكا اللاتينية.
وأكدت الدراسة أن الغرب لا يريد رؤية مسلمين صوماليين موحدين، مشيرةً إلى أن دعمهم لبعثات الاتحاد الإفريقي كان قائمًا على تقييمات مشبوهة تتماشى مع رؤيتهم السياسية ومصالحهم التمويلية.
كما ذكرت الدراسة أن الدول الإفريقية التي أرسلت قواتها إلى الصومال تصرفت بنفس الطريقة، حيث سعت لتحقيق مصالحها الذاتية، وضربت مثالًا بـ إثيوبيا التي تتدخل بشكل مباشر في الشأن الصومالي منذ منتصف التسعينيات.
ونقلت الدراسة عن محلل في مقديشو قوله إن وجود إثيوبيا في الصومال يهدف إلى ضمان ضعف الدولة الصومالية، واصفًا العلاقة بين فريق فيلا صوماليا والحكومة الإثيوبية بأنها علاقة غير متوازنة ومشوهة.
كما ذكرت الدراسة أن رئيس أركان بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال أقرّ سابقًا بوجود غموض وتناقضات واضحة تحيط بالقوات القادمة من دول الجوار، مؤكدًا أن هذه الدول لا تحمل نية صادقة تجاه الأجندة الخاصة بالصومال.
وأوضحت الدراسة أن الخبراء المتابعين لشؤون شرق إفريقيا يجمعون على أن الاستراتيجية الإثيوبية تقوم على السيطرة الكاملة على الصومال ومنع قيام دولة موحدة، وجعل الشعب الصومالي ضعيفًا ومنقسمًا.
وبناءً على ذلك، قالت الدراسة إن الجهود الإثيوبية تحت شعار “حماية الأمن القومي” تعني عمليًا إضعاف وحدة الأمة المسلمة في الصومال، تمامًا كما تفعل في حربها ضد حركة الشباب.
وأضافت الدراسة أن الممولين الدوليين أنفسهم لا يدعمون بعثات الاتحاد الإفريقي إلا حين تتماشى مع مصالحهم الاستراتيجية، بينما تسعى الدول المجاورة، مثل إثيوبيا، وراء أجنداتها الخاصة.
وأشارت كذلك إلى أن الاتحاد الإفريقي تجنّب دائمًا تحمل المسؤولية السياسية أو المالية الكاملة، في حين أن الحكومة الفيدرالية الصومالية استخدمت هيكل بعثة أوسسوم كـ أداة سياسية للمشاركة في صراعات النفوذ الإقليمية.
واختتمت الدراسة بالقول إن هذه التحركات المعقدة تعني أن بعثات الاتحاد الإفريقي في الصومال تخدم في المقام الأول أجندات داخلية وخارجية متشابكة، مما قوّض ثقة المجتمع الدولي بالاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.
وفي الختام، ذكر المعهد الدنماركي للدراسات الدولية أن نتائجه استندت إلى مقابلات ونقاشات أجريت بين عامي 2014 و2025 مع ممثلي الحكومة الصومالية، والاتحاد الإفريقي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ووزارة الخارجية الدنماركية في مقديشو، أديس أبابا، نيروبي، وكوبنهاغن.