“الانسحاب التكتيكي” للإمارات في اليمن.. استراتيجية الوكلاء وصراع النفوذ مع السعودية
تحوّل الصراع في اليمن من مواجهة موحدة ضد جماعة أنصار الله (الحوثيين) إلى ساحة تنافس جيوسياسي حاد بين الشريكين الرئيسيين في التحالف العربي، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقد بلغ هذا التنافس ذروته مؤخراً مع تصعيد عسكري مباشر في ديسمبر 2025، تلاه إعلان إماراتي عن سحب ما تبقى من قواتها “طواعية”.
إن هذا الإعلان، الذي يبدو كخطوة لخفض التصعيد، لا يمثل في حقيقته انسحاباً استراتيجياً، بل هو إعادة تموضع تكتيكي يعتمد على استراتيجية متقنة للوكلاء، تهدف إلى ترسيخ النفوذ الإماراتي في المناطق الاستراتيجية الجنوبية والساحلية لليمن، على حساب الأهداف السعودية وحكومة الشرعية المعترف بها دولياً.
وهم الانسحاب.. استراتيجية “الجيوش الموازية”
إن الحديث عن “انسحاب” إماراتي من اليمن يجب أن يُقرأ في سياق استراتيجية أبوظبي طويلة الأمد، التي بدأت بتخفيض وجودها العسكري المباشر منذ عام 2019. لم يكن هذا التخفيض خروجاً من الصراع، بل تحولاً في الأداة، من القوات النظامية إلى الوكلاء المحليين الذين تم تدريبهم وتمويلهم وتجهيزهم ليصبحوا “جيوشاً موازية” تدين بالولاء لأبوظبي بدلاً من الحكومة اليمنية الشرعية.
|
الوكيل الإماراتي الرئيسي
|
منطقة النفوذ والهدف الاستراتيجي
|
الدور في الصراع مع السعودية
|
|
المجلس الانتقالي الجنوبي (STC)
|
عدن، لحج، الضالع، أبين، سقطرى. الهدف: السيطرة على الجنوب وإعلان الانفصال.
|
الأداة الرئيسية لتقويض سلطة الحكومة الشرعية المدعومة سعودياً، والسيطرة على الموانئ والممرات المائية.
|
|
قوات العمالقة الجنوبية
|
الساحل الغربي، شبوة، مأرب (تكتيكياً). الهدف: السيطرة على الشريط الساحلي الاستراتيجي.
|
قوة ضاربة تستخدم لتحقيق مكاسب ميدانية سريعة، خاصة في المناطق الغنية بالنفط أو المطلة على البحر.
|
|
قوات طارق صالح (المقاومة الوطنية)
|
الساحل الغربي، المخا. الهدف: تأمين مضيق باب المندب والمخا.
|
ضمان النفوذ الإماراتي على الممر المائي الأهم عالمياً، بعيداً عن سيطرة الحكومة الشرعية أو الحوثيين.
|
وقد أثبتت الأحداث الأخيرة في ديسمبر 2025 أن هذا التنافس قد وصل إلى حد الاصطدام المباشر، حيث اتهمت السعودية الإمارات بتهريب أسلحة إلى ميناء المكلا لدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو ما اعتبرته الرياض “بالغ الخطورة” وتهديداً لأمنها القومي. هذا التصعيد يؤكد أن النفوذ الإماراتي لم ينسحب، بل أصبح مُحصّناً في أيدي وكلاء محليين، مما يجعل أي انسحاب رسمي مجرد غطاء لـ “احتلال بالوكالة”.
تباين الأهداف الاستراتيجية وتفكك التحالف
يكمن جوهر الصراع بين الرياض وأبوظبي في تباين أهدافهما الاستراتيجية في اليمن، والتي تجاوزت الهدف المعلن للتحالف (إعادة الشرعية ودحر الحوثيين) .
|
الهدف الاستراتيجي
|
المملكة العربية السعودية
|
الإمارات العربية المتحدة
|
|
الرؤية لليمن
|
الحفاظ على وحدة اليمن واستقرار حكومة الشرعية، لتأمين حدودها الجنوبية.
|
دعم الانفصال الجنوبي والسيطرة على الشريط الساحلي والجزر الاستراتيجية.
|
|
التركيز الجغرافي
|
الشمال (مواجهة الحوثيين) والوسط (دعم الحكومة الشرعية).
|
الجنوب والمناطق الساحلية (عدن، المخا، سقطرى، حضرموت).
|
|
الأداة الرئيسية
|
القوات النظامية للتحالف، دعم الحكومة الشرعية، اتفاق الرياض.
|
الوكلاء المحليون (STC، العمالقة)، السيطرة على الموانئ.
|
لقد أدى هذا التباين إلى تحول الصراع من “حرب ضد عدو مشترك” إلى “صراع نفوذ بين حلفاء سابقين”. فبينما تسعى السعودية إلى توحيد الصفوف تحت مظلة الحكومة الشرعية، تعمل الإمارات عبر وكلائها على تقويض هذه الحكومة، كما أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، باتهامه الصريح للإمارات بالضغط على المجلس الانتقالي لـ “تقويض سلطة الدولة” .
الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للمناطق المتنازع عليها
لا يمكن فهم عمق الصراع دون إدراك الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للمناطق التي يسيطر عليها الوكلاء الإماراتيون.
1.مضيق باب المندب: السيطرة على الساحل الغربي عبر قوات طارق صالح تضمن لأبوظبي نفوذاً مباشراً على أحد أهم الممرات المائية في العالم، وهو هدف استراتيجي يتجاوز حدود الصراع اليمني.
2.الموانئ الجنوبية: السيطرة على موانئ عدن والمكلا والمخا، التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي أو القوات الموالية للإمارات، تمنح أبوظبي تفوقاً اقتصادياً وتجارياً، وتجعلها لاعباً رئيسياً في التجارة البحرية الإقليمية.
3.سقطرى: الجزيرة ذات الموقع الفريد، التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي، تمثل قاعدة استراتيجية محتملة في المحيط الهندي، وتعد نقطة خلاف رئيسية بين الرياض وأبوظبي.
إن استراتيجية الوكلاء تتيح للإمارات تحقيق هذه الأهداف بأقل تكلفة سياسية وعسكرية ممكنة، وتوفر لها “إنكاراً معقولاً” لأي تصعيد، حيث يمكنها التنصل من مسؤولية أفعال وكلائها، بينما يظل نفوذها قائماً ومستمراً.
وفي الختام
إن إعلان الإمارات سحب قواتها المتبقية من اليمن هو خطوة تكتيكية لا تعني نهاية دورها في الصراع، بل هي تتويج لاستراتيجية “الانسحاب من الواجهة والسيطرة من الخلف”. لقد نجحت أبوظبي في بناء شبكة من الوكلاء المسلحين الذين يخدمون مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية بشكل فعال، مما وضع السعودية في موقف صعب، حيث تجد نفسها مضطرة لمواجهة حلفائها السابقين بالوكالة، في الوقت الذي تحاول فيه إنهاء حربها مع الحوثيين. هذا الصراع الداخلي بين دول التحالف يهدد بتقسيم اليمن بشكل دائم، ويجعل من استعادة وحدة الدولة اليمنية أمراً بعيد المنال، ويؤكد أن اليمن قد تحول إلى ساحة حرب إقليمية بالوكالة، حيث تتصارع القوى الكبرى على النفوذ والموارد.
ويبقى الأمل في أبناء اليمن الأحرار ممن رفضوا التبعية للتدخلات الأجنبية واختاروا مسار الحرية والتمرد الجهادي.
عبد الغني أحمد